صحيفة الكترونية اردنية شاملة

عودة بروكست

0

الشرق الأوسط يعيش حالة من الارتباك المفاهيمي واستغلاق القيم، وفوق ذلك التوترات المتصاعدة، والاستقطابات الحادة لجهة لا تخدم مشروعه المهزوم دوما، ولا تنهض بأية أهداف أو غايات تغييرية وإصلاحية، ليبق رهين دوائر الصراعات ومحاور الشر المصنوعة سلفا، وها هو ذام يعود مجددا ( بروكست )، السيد الأسطوري الخارج على القانون، الرافض للتعاليم، والمستغرق في شهوة الاختطاف والقتل وقطع الطريق، الذي كان يتقن فن تمطيط جسد ضحاياه ليأتي على مقاس سريره.

الشرق الأوسط اليوم سرير بروكست الدموي، فيه أزمات على مقاس المصالح، وحروب حسب مستوى الأطماع، وصراعات تبقي الباب مواربا لدخول مزيد من التشظي والانقسام والتجزيء، وبؤر ساخنة مهيأة لإنضاج أي وجبة سياسية أو اقتصادية، كل ذلك من شأنه أن يعطي طاقة قصوى لتزويد مشغلات الصراع الأطول عالميا في العصر الحديث.

لقد اعتادت المنطقة كلها على هذه الأزمات والصراعات والأوجاع، وهي مطالبة أن تعتاد على كتم غيضها، ولجم صراخها، وكبح جماح نزقها… وفي كل دول الربيع العربي ثمة مخاوف حقيقية من تمطيط بروكستي لها، أو تجزيئ، أو ربما تفريخ دويلات تزيد في الويلات والخيبات العربية المتلاحقة.

هل هو قدرنا نحن الشرق أوسطيون أن نبقى بين نمطي التفكير الأمريكي

بين ( روزفلت ) الذي لا يرى مصلحة لأميركا إلا أن تكون القوة العالمية الضاربة، وأنه لا توازن عالمي بدونها، توزع هذه التوازنات، تطبيقا لذات مبدأ روزفلت في أن من واجبها اللجوء إلى القوة من أجل تحقيق الانتصار لعدالتها، وهي اليوم كذلك..

وبين ( ويلسون )، الذي خلصت أفكاره إلى إنتاج عصبة الأمم المتحدة، معتمدا على الأخلاقيات والمبادئ بدلا من توازن القوى، وعلى منظومة قانونية دولية بدلا من ( العسكرتارية ).. والغريب في الأمر، أن هذا النمط الويلسوني إن جاز التعبير، حول القيم إلى قنابل موقوته، وفخخ الأخلاق بتفسيرات سياسية، أميركا وحدها تستطيع تصديرها لنا، أو تعليمنا إيها، حت انقلبت القيم وموازين العدالة وأصبحت الشرعية متهمة بالإرهاب، والإرهاب السياسي والعسكري عدالة ووطنية.

ربما لهذا، جربت أميركا خلط الأوراق بين روزفلت وويلسون، وعملت على انجاز مشروع معاصر يجمع بين العسكرتارية والنظم الأخلاقية والقانونية العالمية، معتمدة على تزييف الوعي بالفضيلة والقيم الأخلاقية والمبادئ الدولية وتجريدها من معناها القيمي وإلباسها معنى جديدا لتكون قادرة على استيعاب استخدام القوة العسكرتارية، لأن – حسب هنري كيسنجر في دبلوماسيته: ( القصاصات الورقية التي تحمل سلاما خياليا ووعودا يستحيل تحقيقها بدون قوة فاعلة هو موقف بشع، والفضيلة التافهة التي لا تدعمها أية قوة هي أيضا فضيلة فاسدة، أي أكثر شؤما من القوة المنفصلة عن الفضيلة ).

كاتب أردني مقيم في البحرين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.