صحيفة الكترونية اردنية شاملة

في وداع علي عتيقة هذا الليبي الاردني العربي

0

ودعنا امس الراحل الدكتور علي عتيقة الذي دفن في ثرى عمان بأرض وطنه الثاني ، هذا الليبي الكبير الذي عاش بيننا عقودا طويلة من حياته ، كان محبا ومنتمياً للأردن والأردنيين بقدر حبه وانتمائه لوطنه الأصلي .
لقد ترك ابو احمد ، عند كل من قابله وعرفه ، انطباعات طيبة عن الشعب الليبي وذلك بطيب خلقه وأصالة وعيه القومي . انه من جيل أولئك الرجال الذين ظهروا في كل بلد عربي مع بداية عهود الاستقلال رافعين شعارات وحدة العرب وعزتهم وكرامتهم بكل صدق وتفان وإخلاص ، واذا بهم يطاردون او يقصون او تتم تصفيتهم في السجون على يد مغتصبي السلطة في الانقلابات العسكرية ، الذين أقاموا شرعية أنظمتهم على (بيان رقم واحد ) ، زاعمين انهم ليسوا طلاب حكم انما مشاريع تضحية لتحرير فلسطين وإقامة الوحدة العربية ، غير ان كل ما فعلوه تشبثهم بكراسي السلطة على بحر من الدماء والسجون والقمع والاستبداد وهو ما جر الأمة الى ساحات الهزائم المهينة والعيش في ظل استلاب الحريات والكرامات .
في ظل حكمهم كرست اسرائيل قوتها ووجودها ، وتقزم وعي الشعوب والأوطان الى وعي يفيض بالولاءات المتناحرة التي تضيق من العيش المشترك داخل أوطانها الصغيرة فكيف لها ان تحلم ببلاد العرب اوطاني ، لقد تحولت الاحلام الكبيرة الى كوابيس تضج بالقتلة ومصاصي الدماء .
شغل الراحل منصبا وزاريا في حكومة الملك ادريس السنوسي وفي المرات العديدة التي زارني فيها ب( العرب اليوم )كان يحدثني عن ليبيا الملكية ليقارنها بليبيا القذافي ” قبل ان تقوم ثورة الفاتح كان هناك برامج للتعليم ومشروعات للمياه والمجاري والمدن ، كان هناك مؤسسات وجيش وشرطة مدربة وأمن والآن كل هذا انتهى ” ويضيف ” كيف لليبيا ان تنهض وثروة البلاد موزعة على اولاد القذافي باستثمارات في الخارج !. ” .
وفي حديث الراحل علي عتيقة عن القذافي وكان هذا قبل سنوات من سقوط حكمه بثورة فبراير عام ٢٠١١ قال ” عند العقيد حنون العظمة ،هو ذكي جداً انه ديكتاتور ومع ذلك يقول للناس أنا لا احكم ولست في السلطة ، بينما من طبائع الديكتاتوريين الحرص على إظهار ان كل السلطة بأيديهم ، القذافي لا يوقع على اي مرسوم او قرار يتعلق بالحكم هناك مستويات بعيدة عنه توقع على قرارات يضعها هو ، وذلك حتى يلقي بمسؤولية فشله على سواه . ويضيف عتيقة ” مثلا قام مرة بمخاطبة الحكومة الليبية قائلا : ما هذا الجنون كيف تقيمون مطارا خارج الحدود ! ( وهو يقصد مطار تشاد الذي أقامه القذافي خارج حدود ليبيا الجنوبية واستولت عليه القوات التشادية وعلى الطائرات الحربية الموجودة فيه ). ثم أضاف القذافي متسائلا امام الحكومة انذاك : لماذا تذهبون للحرب في تشاد نحن نعطيكم الأموال وأنتم تنفقونها على الحرب !!.
كان علي عتيقة ، رحمه الله ، يعتز بانتمائه العربي وبلغته العربية رغم عمله الطويل مع البنك الدولي والمؤسسات العالمية وحدثني عن مشاركته في مؤتمر ( ثقافي تربوي ) عقد عام ٢٠٠٨ في البحرين فقال ( جميع المشاركين كانوا عرباً ما عدا أستاذ من جامعة اكسفورد ، كلهم تحدثوا باللغة الانجليزية ما عدا البريطاني فقد تحدث باللغة العربية ) ويضيف ( حدثني سفير أمريكي سابق في الكويت ، كان يتقن العربية ، عن افتتاح مدرسة اجنبية في الكويت كان الهدف منها تعليم أبناء الأجانب المقيمين في ذلك البلد وما حصل ان المدرسة تلقت الاف الطلبات من العرب لإدخال أبنائهم الى هذه المدرسة . ويضيف السفير : استقبلت عددا من أولياء أمور هولاء التلاميذ وقلت لهم مستغربا لماذا تقبلون على تعليم أولادكم في مدارس كل مناهجها اجنبية اذا كُنْتُمْ تعدونهم للحكم فهم لن ينجحوا في إدارة البلاد بهذه المناهج ، وان كُنْتُمْ تريدون ان ترسلوهم الى بلادنا فلا مكان لكل هولاء بيننا ) .
منحه الملك الراحل الحسين الجنسية الاردنية في زمن كان فيه القذافي ينادي بوحدة العرب لكنه في الواقع ضاق بشعبه وطارد رجالات ليبيا بالخارج مستخدما الرشوات الشخصية التي كان يدفعها للزعماء في أوروبا والعالم العربي من اجل تسليمه المعارضين وتصفيتهم . لقد صادر القذافي أحلام الليبيين على مدى ٤ عقود من حكمه وترك خلفه جبالا من العراقيل والحواجز التي تعترض اليوم إرادتهم في بناء مستقبل يعيشون فيه بحرية وآمن وكرامة ، الليبيون يواجهون بعد الثورة أعباء تركة ثقيلة من حكم ديكتاتور سهر على تصفية الدولة وتجفيف الوعي واستلاب الإرادات .
رحم الله الفقيد الكبير والعزيز الدكتور علي عتيقة ابن ليبيا وابن الاردن الذي ستبقى ذكراه الطيبة بيننا واسكنه الله فسيح جنانه.
[email protected]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.