صحيفة الكترونية اردنية شاملة

لماذا يكرهون العسكر؟

0

نغمة نشاز . . تلك التي أخذت تتكرر على ألسنة المدنيين في وسائل الإعلام خلال السنوات الأخيرة بمصطلح بغيض هو : “حكم العسكر ” . وهذا المصطلح لابد أنه ينطبق في معظم حالاته على الانقلابات العسكرية التي تنفذها جماعات عسكرية مغامرة ، وهو موضوع خارج عن نطاق هذه المقالة .
أعتقد بأن هناك التباس متوارث يقع به كثير من المدنيين ، في عدم التفريق بين من يقوم بانقلاب على النظام مستخدما القوة العسكرية وهو أمر مرفوض ، وبين من يتحول من الحياة العسكرية إلى الحياة المدنية ، ويصل إلى سدة الحكم من خلال المؤسسات المدنية الشرعية وهو أمر مرحب به .
إن النظرة السلبية وسوء الفهم الذي يحكم آراء المدنيين تجاه العسكريين ، عائد إلى ضعف الثقافة العسكرية لدى المدنيين حول أدبيات البيئة العسكرية وممارساتها العملية . ولهذا فإن هدفي من هذه المقالة هو إلقاء الضوء على حيثيات هذا الموضوع الخلافي ، ومحاولة إزالة سوء الفهم الذي يغرق به المدنيون بقصد أو بغير قصد ، مع علمي المسبق بأنني سأدخل في عش الدبابير المتحفزة للهجوم .
فالتهمة الكبيرة التي توجه للعسكريين السابقين الذين يتولون الحكم بعد هجرهم الخدمة العسكرية وانتظامهم بالحياة المدنية هي ” حكم العسكر ” باعتباره يجسد نظاما دكتاتوريا . ولا شك بأن كلمة العسكر التي يرددها المدنيون في كل مناسبة ، توحي لسامعيها مباشرة بالجمود الفكري ، وعدم قبول الرأي الآخر ، وضرب الديمقراطية بعرض الحائط ، وهي تصورات تخالف الواقع . ولكي نصل إلى الحقيقة المنتهكة ، تعالوا نجري مقارنة بسيطة بين المسؤولين المدنيين والعسكريين دون شخصنة أو اصطفافات مسبقة.
فالمتقدمون للخدمة العسكرية يتم اخضاعهم لفحوصات صحية ونفسية ، قبل الموافقة على انضمامهم للقوات المسلحة أو الأجهزة الأمنية . ويجري تأهيلهم في وقت لاحق لتولي مسؤوليات خطيرة ، تتعلق بمصير الوطن وحياة البشر . فالضابط الذي يحمل رتبة عالية يكون قد تم تأهيله لتولي المسؤوليات الكبرى ، من خلال دراساته المحلية والخارجية وممارساته العملية ونضج أفكاره خلال خدمته الطويلة . أما المدنيون فإنهم ينتظمون بالوظائف الحكومية أو الشركات العامة ، دون إجراء فحوصات مماثلة بل الاكتفاء بشهاداتهم العلمية . وقد يتولون وظائف عليا وهم وفي سن مبكرة ، دون التدرج بالوظائف واكتساب الخبرة في معظم الأحيان .
ومن أهم المبادئ التي يتلقاها الضابط خلال تأهيله لحمل المسؤولية ما يلي : التضحية في سبيل الوطن ، الانضباط واحترام الأنظمة والتعليمات ، فن القيادة والإدارة ، تقدير أهمية الوقت ، تقدير الموقف ، المبادرة والابتكار ، تطوير الكفاءة الذاتية ، التخطيط الاستراتيجي ، والقدرة على اتخاذ القرار . وهو تأهيل يندر أن يتوفر للقادة المدنيين في مختلف مواقعهم .
هذه المحاور تشكل الأساس الذي تبنى عليه شخصية الضابط العسكرية ، ويجري تطويرها من خلال ممارساته النظرية والعملية قد تمتد لبضعة عقود . فالضابط الكبير الذي يُعهد إليه بقيادة تشكيلات ميدانية ، تضم عشرات أو مئات الآلاف من الجنود في ساحة معركة وقودها أرواح البشر ، ليس بغريب عليه أن يتولى مسؤولية مدنية تتناسب مع خبراته المتراكمة باتباع طرق ديمقراطية.
يدعي البعض بأن العسكريين يتصفون بالدكتاتورية في ممارسة أعمالهم حتى بعد تحولهم إلى الصبغة المدنية . وهذا كلام يجافي الحقيقة وينم عن جهل مطبق بالطبيعة العسكرية. فلو عدنا لتفحص ممارسات أعمال القائد الميداني من مستوى قائد الكتيبة وحتى مستوى القائد العام ، لوجدنا أن لديه هيئة ركن استشارية ، يختلف حجمها باختلاف حجم التشكيلة التي يقودها ، تشمل ضباطا ذوي اختصاصات محددة ، يقدمون له الدراسة والتواصي حول أفضل أسلوب لتنفيذ المهمة التي يكلف بها . ودور القائد في هذه الحالة هو توحيد وتعديل تلك التوصيات ليشكل منها خطته ، ثم يصدر قراره الذي يجري تنفيذ بدقة وحزم لتنفيذ المهمة المطلوبة . وعليه خلال سير العمليات التأقلم مع المواقف المتغيرة .
وبالمقابل فإن القائد المدني في أي موقع من مواقع المسؤولية ، لا يعتمد هيئة استشارية في مؤسسته تساعده في تصويب قراراته وتصميم خطة عمله . وغالبا ما تصدر قراراته بصورة مزاجية دون دراسة دقيقة ، فتظهر فيها الثغرات والأخطاء فيما بعد ، مما يضطره للتراجع عنها أو إهمالها من قبل المعنيين . وهنا يظهر الفرق الحقيقي بين المسؤول الدكتاتوري الذي يستفرد بقراراته ، والمسؤول الديمقراطي الذي يتخذ قراراته بعد دراسة مستفيضة بمشاركة مستشاريه .
إن الشعوب التي حباها الله بعظماء القادة العسكريين تمكنت من حماية أراضيها وحققت الازدهار والتقدم لشعوبها . أما الشعوب التي افتقدت القادة العسكريين الأقوياء ، فقد عاشت مقهورة وخاضعة للاستعباد أو الإبادة . والقادة السياسيين الذين حكموا بعض الدول في حقب مختلفة وساهموا في صنع تاريخ أوطانهم ورفعتها ، تم لهم ذلك من خلال قادة عسكريين نفذوا توجيهاتهم ، وحافظوا على اسلوب الحياة الذي اختاره اولئك السياسيون لمواطنيهم . والشواهد على أفعال السياسيين العرب ماثلة أمامنا .
ومن المعروف إن معظم الزعماء الذين تولوا القيادة المدنية الناجحة في العصر الحديث ، لم يأتوا من الفلاسفة والكتاب أومن عامة الشعب ، بل أتوا من صفوف القوات المسلحة . ومن الأمثلة على ذلك : ايزنهاور في الولايات المتحدة ، تشرشل في بريطانيا ، ديجول في فرنسا ، بسمارك في ألمانيا ، بارك شونج في كوريا الجنوبية .
وإذا ما نظرنا في الوقت الحاضر إلى دولة إسرائيل المجاورة ، فسنجد أنها قد وصلت إلى مرحلة متقدمة من جميع النواحي السياسية والعسكرية والأمنية والعلمية ، بفضل قادتها ذوي الخلفية العسكرية الذين تولوا زمام القيادة السياسية منذ نشأة الدولة وحتى الآن ، فخلقوا مجتمعا عسكريا فاعلا في مختلف مجالات الحياة . وها نحن الآن أمام تجربة جديدة في مصر الشقيقة حيث تولى قيادة الدولة عسكري سابق عبر صناديق الاقتراع ، وسننتظر أفعاله لنحكم على أدائه خلال السنوات القادمة .
وفي الختام اتساءل : لماذا تثور ثائرة المدنيين من سياسيين وإعلاميين ، عندما يتقدم أحد الأشخاص بخلفية عسكرية سابقة لتولي زمام الحكم بالطرق الديمقراطية ؟ ألا يحق لمن حمل روحه على كفه وكان مستعدا لتقديمها فداء للوطن في أية لحظة ، ممارسة حقه كبقية المواطنين طالما أنه لا يمثل تنظيما عسكريا معينا ؟ لماذا يُحارب العسكريون السابقون وكأنهم هنود حمر أو مرتزقة قدموا من خارج البلاد ؟ هل السياسيون المراوغون بمن فيهم تجار الأوطان ، أحق منهم بتولي قيادة بلدانهم خاصة في الظروف الحرجة ؟ لقد آن الأوان لكي تتوقف حملة الكراهية التي يشنها أناس حاقدون ضد شرفاء الوطن . وعليهم أن يرفعوا شعارا منصفا يطرح سؤالا جديدا أكثر واقعية هو : ” لماذا يحبون العسكر ؟ ” بدلا من نقيضه . . !

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.