الإعلام والتنمية: ما بعد حفلة إلتقاط الصور!
في كل وسائل الإعلام المحلية تشكل زيارات المسؤولين للمناطق المحلية لافتتاح المشاريع وتقديم المساعدات مادة خصبة للتغطية الإعلامية والإدعاء بأن التنمية المحلية المستدامة هي في بؤرة الاهتمامات الاقتصادية والسياسية للدولة. الاحتفال الذي يركز على التقاط الصور والكلمات الترحيبية ينتهي بسرعة ولكن تحقيق التقدم الفعلي في التنمية المحلية لن يحدث إلا من خلال العمل الدؤوب والمتواصل بعد أن تنتهي عملية التقاط الصور وطوال أيام السنة.
التنمية المحلية المستدامة قضية معقدة وتخضع للكثير من المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية، وما ينطبق على منطقة ما قد لا يمكن تعميمه على منطقة أخرى، والجهود التي تبذلها العديد من المؤسسات المحلية والدولية في تنفيذ مشاريع التنمية في الأردن بحاجة إلى أن تكون دائما في واجهة الاهتمام الإعلامي وأن يتم تعميم التجارب الناجحة والمثمرة وتقدير النجاح بلا مبالغة وتقديم النقد البناء لحالات التعثر.
في العادة لا يكون التخطيط الاستراتيجي المركزي مناسبا للتنمية المحلية فقد تمت تجربة مثل هذه الاستراتيجات كثيرا من قبل مخططين اقتصاديين وتنمويين رسموا المشاريع من مكاتبهم المغلقة وبدون حوار مع ممثلي المجتمع. وهناك الكثير من الشك أيضا في مدى نجاح المشاريع الضخمة التي تنفذها الوزارات بميزانيات كبيرة وبقليل من العوائد على الناس لأن الفئة المستهدفة وهي المجتمعات المحلية لا يتم عادة إشراكها في التخطيط والتنفيذ لهذه المشاريع في معظم الأحيان.
مشاريع التنمية المحلية تستوجب تحديد المتطلبات الرئيسية للمجتمعات المحلية، ودراسة البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية ومدى الاستدامة ومدى الاستفادة وإمكانية التكرار. وقد تمكنت العديد من المنظمات غير الحكومية والخيرية والتعاونية بالذات من لعب دور كبير في التنمية المحلية في حال تم إعطاؤها الثقة والدعم التقني والمالي المناسب لتنفيذ مشاريع تنموية رائدة، وبعض من أهم هذه المشاريع قامت به جمعيات نسائية تضم عضوات لا يعرفن القراءة ولا الكتابة ولكنهن يملكن الذكاء والتصميم والإرادة.
العنصر الأساسي الغائب عن مشاريع التنمية الريفية هو المراجعة أو التقييم الذي يحدث أثناء وبعد انتهاء المشروع ويفترض أن يشكل دروسا مستفادة يمكن استخدامها لتصحيح الأخطاء أو تعظيم حالات النجاح وتكرارها. هذا التقييم أيضا من المهم أن يخرج من دائرة المختصين والمشاركين في المشاريع إلى وسائل الإعلام حتى يعرف الرأي العام العوامل التي تحقق النجاح أو العقبات التي تساهم في الفشل لمثل هذه المشاريع.
مسؤولية الإعلام أيضا هامة في هذا المجال، فالإعلام التنموي الأردني بقي دائما إعلاما بروتوكوليا يهتم بالزيارات والمناسبات والاحتفالات وإطلاق المشاريع، وتلبية دعوات بعض الجهات المانحة لحضور مؤتمرات صحافية وورش عمل تتلوها وجبات الغذاء في فنادق فخمة واستراحات سياحية فارهة ولكنه لم يهتم كثيرا بتقييم المشاريع التنموية ومتابعتها ومعرفة مدى تأثيرها على المجتمع وتقييم مدى نجاح المؤسسات المختلفة في هذا المجال.
لهذا السبب بجب ألا يستغرب المسؤولون من غضب المواطنين في المجتمعات المحلية وعدم ثقتهم بالإدارات الحكومية المركزية، وهذا الغضب كان عنصرا اساسيا في تفجير العديد من الاحتجاجات في الفترة الماضية من قبل مواطنين لم يشاهدوا أية آثار للمشاريع التنموية بعد حفلات التقاط الصور.
الدستور

