كافكا على الشاطئ في ‘كتاب وقارئ’
منذ أكثر من ست سنوات، يتواصل انعقاد ندوة “كتاب وقارئ”؛ في المقاهي أحيانا، وفي مكتبة الجامعة الأردنية أحيانا أخرى. وقد عقدت أول من أمس في مركز المشرق لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، في ضيافة الأستاذين يوسف الربابعة ويوسف حمدان العياصرة، وكان موضوعها رواية “كافكا على الشاطئ”، من تأليف الروائي الياباني هوراكي موراكامي!
هناك منتديات كثيرة للكتب في الأردن. وقد استعرض الصديق ربيع ربيع أكثر من عشرة منها. وهذه ظاهرة جميلة ورائدة، تؤشر على حالة جديدة في القراءة والثقافة! صحيح بالطبع أن القراءة ما تزال في حالة مأساوية، لكن صحيح القول أيضا إن ظاهرة منتديات الكتب والقراءة تؤشر على فرص تنامي القراءة وانتشارها!
في البحث عن معنى الوجود وحقيقته، كما في سفر التكوين وقصة آدم في القرآن وأسطورة بروميثوس وأوديب، يحاول موراكامي أن يقدم استيعابا حديثا للقصة، ويواصل التأمل والتفكير في الحياة والعالم. ويبدو أنه يجد ذلك في التخلي عما أضيف إلى الحياة، واستعادتها كما بدأت؛ ثم النظر في رموزها من جديد. إذ يجد أن امتلاك هذه الرموز يصبح أهم من الحقيقة التي ترمز إليها، وربما للسبب نفسه نواصل قراءة الأسطورة.. أن تملك شيئا يجسد الحرية، يسعدك أكثر من الحرية، يقول موراكامي. وللسبب نفسه ربما، يكون الأقدر على الفهم والانسجام مع الكون والحياة كل من ناكيتا وهوشينو.
ناكيتا العجوز دخل في غيبوبة طويلة، وعندما يستيقظ يفقد الذاكرة والقدرة على التعلم. لكنه الأقدر على فهم الكائنات والحياة (ربما). وهوشينو الشاب الذي لم يكن يرى في الحياة سوى قيادة الشاحنات، يصبح في الأيام التي رافق فيها ناكيتا إنسانا جديدا؛ فاهما للحياة، ومحبا للقراءة والموسيقى!
اذا كان ذلك صحيحا، فإنه يمتد إلى كل الأشياء؛ أن تملك رموزها يسعدك أكثر من أن تملكها. النقود الورقية، والبطاقات البنكية، ترمز إلى المال وليست هي المال. ولكننا نحتفي بها أكثر من المال، بل لم نعد نعرف المال سوى النقود أو الـ”كريدت كارد”. والأيام والسنين ترمز إلى الزمن، وهي ليست هي الزمن، ولكن الزمن لم يعد يعرف إلا أنه دقائق وساعات. والرموز والطقوس الدينية هي رموز، ولكنها تحولت إلى حقائق تحجب ما ترمز إليه، ثم صارت تملك روايتها وهويتها المستقلة عما ترمز إليه!
في حديثه مع القطة، يقول ناكيتا إنه لا يقرأ ولا يكتب. ترد عليه القطة: أقول لك، وليس زهوا ولا خيلاء، أنا أيضا لا أقرأ ولا أكتب.. ربما لا تحتاج إلى القراءة والكتابة إلا بمقدار ما تساعدك على فهم ذاتك، وإدراك الحياة والعالم!
الغد

