صحيفة الكترونية اردنية شاملة

الجنرال ‘بارك’ صانع المعجزة الكورية

0

“الأقوياء فقط هم الذين يصنعون التاريخ، وأما الضعفاء والمترددين والجبناء والمتآمرين على الأوطان، فليس لهم مكان مشرّف على صفحات التاريخ”.
“حكمة مأثورة”
تقع شبه جزيرة كوريا في جنوب شرق آسيا بين بحر اليابان والبحر الأصفر وتبلغ مساحتها حوالي 220000 كيلومتر مربع ، ويمتد تاريخها إلى أكثر من الفي عام قبل الميلاد . تطورت كوريا مع مرور الزمن وظهرت بها مملكات متعاقبة عديدة ، كان آخرها مملكة ” شون سون الجديدة ” والتي نشأت في عام 1392 م وأحكمت قبضتها على البلاد حتى انهارت أمام الغزو الياباني في أوائل القرن العشرين .
وفي عام 1904 وقعت مأساة كوريا عندما أعلنت اليابان الحرب على روسيا ، حيث أصبحت شبه الجزيرة الكورية مسرحا للحرب تسعى كل من الدولتين للسيطرة عليها . وفي عام 1906 نجحت اليابان بفرض سيطرتها على شبه الجزيرة الكورية بكاملها . ولكنها لم تكتفِ بذلك الاحتلال بل سعت إلى الغاء وجود كوريا كدولة مستقلة وطمس هويتها تماما . فأنشأت مكتب الحاكم العام الياباني في سيؤول ، ليتولى جميع الشؤون الداخلية والعلاقات الخارجية لكوريا .
استمرت معاناة الكوريين مع الاحتلال الياباني حتى هزيمة اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية ، حيث انسحبت الأخيرة من كوريا عام 1945 . ولكن حلم الاستقلال الذي راود الكوريين في ذلك الحين بدا بعيد المنال ، إذ سيطرت القوات الأمريكية على الجنوب وسُمي بكوريا الجنوبية ، وسيطرت قوات الاتحاد السوفياتي على الشمال وسُمي بكوريا الشمالية . فخاض البلدان حربا ضارية ضد بعضهما في عام 1951 حتى انتهت عام 1953 ، بتثبيت خط الهدنة الذي يشطر الجزيرة إلى جزأين ، ويشكل الحدود الفاصلة بينهما حتى الآن .
بعد توقيع اتفاقية الهدنة بدأت جمهورية كوريا الجنوبية بإعادة اعمار ما دمرته الحرب بمساعدة الولايات المتحدة . واتسم حكم أول رئيس للجمهورية ” روه سينج ” بالدكتاتورية والاستبداد والفساد والرشوة إلى درجة لا يمكن تحملها من قبل الشعب ، مما جعل التطور الديمقراطي أمرا مستحيلا في البلاد، أدى لانفجار ثورة شعبية في 19 / 4 / 1960 .
وفي هذه الأثناء قامت مجموعة من الضباط والجنود الوطنيين بقيادة “الجنرال بارك شونج هي” ( Gen. Park Chung Hee) بالاستيلاء على السلطة في 16 / 5 / 1961، وعُدل الدستور بحيث تركزت السلطة بيد رئيس الجمهورية. وهنا أطلق الرئيس بارك حملة شاملة للتنمية الاقتصادية تحت شعار “تحديث كوريا” التي كانت من أكثر المجتمعات الزراعية فقرا وتخلفا. كانت خطة بارك الاستراتيجية للنهوض باقتصاد البلاد تعتمد على ستة محاور رئيسية هي :
1. التركيز (FOCUS) على بعض الصناعات الهامة وعدم التوسع بها دون إجراء تخطيط دقيق ، معلنا : ” بأننا لن نكسب شيئا إذا حاولنا أن نكسب كل شيء ” . فكانت استراتيجيته تقضي باختيار بعض الصناعات ذات الميزة التنافسية بدقة متناهية ، وجعلها تشكل ” أولويات التحول الصناعي “بدءا بصناعة النسيج .
2. بناء القدرات ( CAPCITIY BULDING ) وتم هذا من خلال ابتعاث آلاف الطلاب من ذوي القدرات العالية في شتى أنواع المهن الى دول خارجية متطورة ، لكسب المزيد من التأهيل في العلوم التقنية التطبيقية والتكنولوجيا المتقدمة والصناعات التي يُراد تطويرها . ولهذا فقد تم إرسال 5000 عامل منجم و 2000 ممرض إلى أوروبا واليابان الولايات المتحدة الأمريكية ، لتدريبهم وزيادة مهاراتهم في الأعمال المطلوبة ، ثم أنشئت جامعتان تقنيتان في البلاد .
3. التحفيز ( MOTIVATION ) ويشمل منح المكافآت المالية والمعنوية والترقيات لمن ينجز أعماله بإتقان ، ومعاقبة وفصل كل من يفشل في إنجاز عمله . وكان على خريجي الجامعات أن يتنافسوا في الامتحان ، من أجل التعيين في الحكومة أو في الشركات الكبرى بعيدا عن الواسطة .
4. إصلاح النظام التعليمي . من المعروف أن وراء كل نهضة اقتصادية واجتماعية نظاما تعليميا فعالا. وهذا يتساوق مع الفلسفة الكونفوشيوسية التي تقول ” بأن التعليم هو المفتاح الوحيد للنجاح في الحاضر والمستقبل “. وعليه جرى التأكيد على أهمية التعليم المهني لأنه أساس التطور في البلاد . ومن أبرز ما اعتمدته هذه الاستراتيجية ما يلي :
أ‌. اعتبار التعليم في المرحلة الابتدائية إلزاميا ، وقد وصل عدد طلابها إلى أربعة ملايين طالب يمثلون نسبة 100 % من الأطفال الذين يستحقون دخول المدرسة .
ب‌. وفي المرحلة المتوسطة استوعبت المدارس العدد نفسه كما في المرحلة الابتدائية ، وكانت الدراسة إلزامية في بعض المناطق ، خاصة مناطق صيد الأسماك والمناطق الزراعية.
ت‌. أما المرحلة الثانوية فهي غير إلزامية وغير مجانية . وقد بلغت نسبة من التحقوا بهذه المرحلة 94 % إذ كان الاقبال عليها شديدا ، بسبب المرونة التي توفرها برامج التشعيب : اكاديمي ، فني ، مهني ، ومراسلة .
ث‌. اتباع سياسة ” التوجيه والإرشاد الطلابي ” من خلال مدرسين مختصين يتم تهيئتهم لهذه الغاية ، بحيث يكون معلّم المرحلة الابتدائية قد أكمل أربع سنوات من الدراسة في كلية التربية قبل ممارسة المهنة . ويشترط في مدير المدرسة أن يكون قد أمضى 25 عاما قبل توليه وظيفته .
ج‌. بلغت مخصصات التعليم نسبة 21 % من اجمالي موازنة الدولة ، وتم توجيهها نحو تنمية الموارد البشرية من خلال التعليم المتميز( QUALITY EDUCATION) والتدريب المتقدم والمتواصل في العلوم والتكنولوجيا ، وكذلك في الإدارة والاقتصاد والمحاسبة ، وهو ما أطلق عليه اقتصاد المعرفة ( KNOWLEDGE ECONOMY ).
5. توحيد الهدف . تم الاتفاق بين الدولة والقطاع الخاص على تحقيق الهدف الوطني الأعلى ، وهو أن تخرج كوريا الجنوبية من نطاق الدول النامية وتلتحق بنادي الدول المتقدمة . ويتطلب هذا التوحيد توجيه المال كله نحو الانتاج الصناعي الاستراتيجي ، وإتباع سياسة الادخار والتوفير من قبل الحكومة والشركات الخاصة الكبرى . فكان الولاء والتصميم لتحقيق هذا الهدف يمثل الحلم الوطني الأول لكل قطاعات الشعب الكوري ، ويجسد مقولة ” الوطن فوق الجميع حكاما ومحكومين “. أما الوزراء وكبار المسؤولين ، فكان يعقد لهم مجالس خاصة لتقويم أدائهم كل 6 أشهر ، ومن يثبت فشله أو ضعف أدائه يفصل من العمل بلا تردد أو محاباة .
6. مكافحة الفساد . أسند لوكالة المخابرات الوطنية مراقبة الأداء الوظيفي ، والإبلاغ عن الفساد الإداري والمالي لإيقاع العقوبات الرادعة على مرتكبيه . كما طُلب من وسائل الإعلام أيضا أداء نفس الدور ، ومراقبة منتسبي الحكومة والشركات على حد سواء . إضافة لذلك فقد اتُبعت سياسة جديدة تسمح بإبقاء الموظفين الذين يتميزون بالأمانة وعفة اليد ، في الخدمة حتى بعد إحالتهم على التقاعد .
لقد بُنيت خطة التطوير والتنمية في أوائل الستينات على استراتيجية التحول الصناعي ، من خلال الجمع بين نظام التخطيط المركزي ونظام اقتصاد السوق . وتم اعتماد الخطة الخمسية الأولى ( 1962 ــ 1966 ) والتي ارتكزت مبدئيا على الصناعات الخفيفة كصناعة النسيج ، ثم انتقلت إلى الصناعات الثقيلة مثل صناعة السفن وصناعة السيارات التي وصل انتاجها إلى 3 ملايين سيارة سنويا ، وجاءت كوريا في المرتبة السادسة بين أكبر مصدري السيارات في العالم .
ومن أجل إنجاز الأعمال المطلوبة من قبل المواطنين ، فقد تم تركيب سماعات قوية في كل قرية ومدينة كورية جنوبية ، يؤدي النفخ فيها عند الساعة الخامسة صباحا لإيقاظ النيام ، فيذهب الفلاح إلى حقله والعامل إلى مصنعه والموظف إلى وظيفته والتلميذ إلى مدرسته . وهكذا تحول المواطنون من حالة الكسل والتسيب والفقر ولعب القمار ، إلى عمال وطنيين يسعون لإتقان العمل والاجتهاد في خدمة الوطن والأمة . وعلى سبيل المثال فقد تعاون طلاب المدارس والجامعات مع الجيش ، في زراعة كافة جبال كوريا بالأشجار ورعايتها بالري والعناية ، حتى تحولت جبال كوريا الصفراء إلى روضة خضراء .
وعندما اغتيل الجنرال بارك عام 1979 على يد مدير مخابراته ، كان قد وضع أسس المعجزة الاقتصادية الكورية التي أطلق خبراء التنمية ” معجزة على نهر هان كانج ” . والنهر عبارة عن مجرى مائي يمر بوسط المدينة ويعج بالبعوض والذباب ، وتنتشر على شواطئه بيوت الصفيح التي يسكنها الفقراء . ولكنه تحول في عهد بارك إلى معلم سياحي يكتظ بالبنايات الحديثة وناطحات السحاب .
وفي توضيح لفلسفته الاقتصادية كتب الجنرال بارك ما يلي :
” في حياة الناس فإن الاقتصاد يتصدر ويسبق كلا من السياسة والثقافة ، وأريد أن أوضح وأؤكد المرة تلو المرة أن الهدف الأساسي في ثورتي العسكرية في 16 مايو 1961 كان التحدي الصناعي لإحداث ثورة صناعية في كوريا الجنوبية . وكانت الثورة تخطط أيضا لإحداث إصلاح سياسي واجتماعي وثقافي في البلاد . ولكون اهتمامنا الأساسي هو إحداث ثورة اقتصادية ، فالاقتصاد يأتي على رأس الأولويات ، وينبغي أن يؤمن للفرد مصدر عيشه وحريته ، قبل أن يشغل نفسه بالسياسة أو الأحوال الاجتماعية أو الثقافية ” .
وفي هذا السياق قال الدكتور مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا الأسبق وقائد نهضتها الاقتصادية ، أنه تعلم من التجربتين اليابانية والكورية الجنوبية أخلاق العمل ( WORK ETHICS ) والتي تلعب دورا حاسما في نهضة الشعوب ومن أبرز سماتها ما يلي :
1. حب الوطن والولاء الكامل له ولا يجوز التخلي عنه تحت أي ظرف من الظروف .
2. حب العمل والمثابرة عليه وتحسين الأداء بصورة مستمرة .
3. الإخلاص للمواطن ورعاية مصالحه وعدم لجوء النقابات العمالية للإضراب أبدا .
4. الشراكة بين أصحاب العمل والعاملين لديهم ، وإنصافهم بالأجور وساعات العمل ورعاية أسرهم .
5. الالتزام الكامل بقوانين وأنظمة العمل بدقة تامة .
ورغم أن الجنرال بارك لم يصل إلى سدة الحكم بطريقة ديمقراطية ، إلا أنه استطاع خلال فترة حكمه التي امتدت 18 عاما من عام 1961 وحتى مقتله في عام 1979 ، من بناء كوريا الحديثة من خلال ممارسة القيادة الجيدة ، والتخطيط السليم ، والعمل المتفاني الذي يزاوله المواطنون بمختلف طبقاتهم . ولهذا غفر له الشعب دكتاتوريته عندما شعر بصدق توجهه ، وتحسن ظروفه الاقتصادية والاجتماعية ، وبدأت البلاد تتجه نحو الإنتاج والانتقال من اقتصاد الفقر والتخلف إلى اقتصاد التقنية والتقدم.
وعند مقارنة وضع الأردن بوضع كوريا الجنوبية في أوائل الستينات ، نجد أنهما كانا متشابهان تقريبا لكونهما يفتقران للموارد الاقتصادية اللازمة للتطور . فمثلا كان معدل دخل الفرد الأردني في ذلك الوقت 144 دولارا في السنة ، وكان معدل دخل الفرد الكوري 78 دولارا في السنة . ولكن بعد مرور ما يزيد عن خمسين عاما على كلا البلدين ، أصبح معدل دخل الفرد الأردني 4300 دولارا أي أنه تضاعف 31 مرة . أما دخل الفرد الكوري فأصبح 31000 دولارا أي أنه تضاعف 397 مرة . وفي الوقت ذاته ارتفع الدخل القومي في كوريا الجنوبية من 2,3 مليار دولار عام 1962 إلى 931 مليار دولار عام 2005. بينما أرتفع دخل الأردن القومي حاليا إلى 23 مليار دولار تقابله مديونية عامة تصل إلى 27 مليار دولار .
تقدمت كوريا الجنوبية في الجنوبية في صناعاتها مع تقدم الزمن ، فنشأت فيها العديد من الصناعات الأساسية إضافة لما ذكر سابقا مثل : صناعة الإلكترونيات ، الأدوات الكهربائية المنزلية ، انتاج الإسمنت ، الأطعمة ، الأسمدة الكيماوية ، الملابس ، الأخشاب ، السيراميك ، الزجاج ، المعدات الزراعية ، الصناعات الحديدية المختلفة . وقد وعدت الرئيسة الجديدة لكوريا الجنوبية ” جيون بارك ” بتنفيذ خطة اقتصادية ثلاثية لاحقة ترفع معدل دخل الفرد إلى 40000 دولارا .
وهنا لابد لأي مواطن شريف أن يطرح الأسئلة التالية على المسؤولين في الدولة الأردنية : لماذا تطورت كوريا الجنوبية وارتفع معدل دخل الفرد والدولة بقوة وبسرعة فائقة ، بينما حدث ذلك ببطء وبصورة ضعيفة خلال نفس الفترة في الأردن ؟ أين جهابذة التخطيط الاقتصادي الذين أشبعونا خططا على الورق ولم نحصد منها سوى السراب ؟ أين خطط وزارات التخطيط المتعاقبة وخطط ما سموها بوزارات المشاريع الكبرى التي أصموا آذاننا بها ، وتبين فيما بعد بأنها لم تنتج إلا مشاريع وهمية فاشلة ؟ أين برنامج التحول الاقتصادي الذي أدخلنا في محنة اقتصادية دون أن نجني من ورائه أية نتائج إيجابية ؟
لقد أشبعنا رؤساء الوزارات السابقون والحاليون وعودا بأن مسيرة الاقتصاد مطمئنة وتسير بالاتجاه الصحيح ، بينما نلاحظ بأن المواطنين غارقون بالفقر والبطالة ، ويرزحون تحت كابوس الضرائب ، دون أن يلمسوا أي تحسن في أوضاعهم المعيشية ؟ إذا كانت الأردنيات قد أصبن بالعقم في انجاب الإصلاحيين ، فلماذا لا نستنسخ أمثالهم من رجالات كوريا الجنوبية أو اليابان ، أو نستعير رجل ماليزيا العبقري مهاتير محمد ، لعلهم ينقذوا اقتصادنا الوطني من تعثره المزمن ؟
وسؤال أخير أوجهه إلى أصحاب القرار إذا كانت لديهم الرغبة بالاستماع : إلى متى نبقى نراوح مكاننا بانتظار منقذ جديد يصنع للأردن معجزة اقتصادية ، تنقله من وضعه المتخلف إلى مصاف الدول الصناعية المتقدمة ، إقتداء بنظيرتنا السابقة جمهورية كوريا الجنوبية ؟ سؤال برسم الإجابة . . !

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.