صحيفة الكترونية اردنية شاملة

مجلس الأمن الوطني . . هل من ضرورة ؟

0

حادثة اختطاف السفير الأردني في ليبيا قبل اسبوعين ــ أعاده الله سالما لأهله ووطنه ــ تطرح سؤالا كبيرا يتردد في أذهان الحريصين على سلامة الوطن وأبنائه ، ألا وهو : أين مجلس الأمن الوطني المعني بمعالجة الأحداث الطارئة واستقراء الأخطار المحتملة في المستقبل ؟ فكلما عصفت بالأردن أزمة صغيرة أو كبيرة تصاب أجهزة الدولة بالإرباك ، ولا يُعرف من المسؤول عن إدارة الأزمة وكيفية الخروج منها بأقل الخسائر .
ومن المعروف أن مجلس الأمن الوطني أو القومي في أي دولة ، هو المعني بمعالجة الأزمات والتخطيط لحماية الوطن من أية تهديدات خارجية أو داخلية . وللتعرف على أهمية ودور هذا المجلس لابد من إلقاء الضوء على بعض جوانبه ومعرفة حيثياته .
فكلمة الأمن تعني من حيث المبدأ ، الاطمئنان والسكينة في النفوس وهي نقيض لكلمة الخوف . وقد ورد ذكر هاتين الكلمتين ” الأمن والخوف ” في القرآن الكريم بقوله تعالى ” ولنبدلنّهم من بعد خوفهم أمنا ” وجاء في آية أخرى ” فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ” . فأمن الأشخاص والحرص على حياتهم أمور هامة . وهي في الوقت ذاته تنطبق أيضا على الدول في حماية كياناتها وتأمين مصالحها ، ضد أية نشاطات تشكل خطورة عليها .
ظهر مصطلح ” الأمن ” في الأدبيات السياسية بعد الحرب العالمية الثانية ، حيث برزت تيارات تبحث في كيفية تجنب الحروب بين الدول ، وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي لمواطنيها . وقد ارتبط مفهوم الأمن في تلك الآونة بالنواحي العسكرية ، وانتشر كمصطلح استراتيجي يعبر عن نظريات الردع وتوازن القوى ، في السياسات الدفاعية للدول الكبرى . وبناء عليه أنشأت الولايات المتحدة الأمريكية ما سُمى بٍ ” مجلس الأمن القومي “. ثم تبتعها دول أخرى في وقت لاحق على الساحة الدولية ، حيث أنشأت مجالسها الوطنية الخاصة .
ومجلس الأمن الوطني هو عبارة عن هيئة استشارية تساعد صانع القرار في تصويب قراراته السياسية والاقتصادية والأمنية وغيرها ، بغرض حماية مقومات الدولة وحفظ كيانها ووحدتها الوطنية . يقوم المجلس في هذا السياق بتقييم الوضع الراهن ، والتنبؤ باحتمالات الأحداث المستقبلية وتحديد المناطق الساخنة في العالم ، التي قد تؤثر على مصالح الدولة وأمن مواطنيها ، ثم يقوم برسم السياسات ووضع الخطط الأمنية بمختلف أنواعها ، لمواجهة الأخطار المحتملة وبما يتناسب مع المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية .
ورغم أن مصطلح الأمن الوطني كان مركّزا على الاستراتيجيات العسكرية وصراعات القوى في العقود الماضية ، إلا أنه أصبح يشمل أيضا في هذا العصر ، التهديدات المتعلقة بحياة الإنسان وعلاقته بالطبيعة ، كقضايا التصحر والانفجار السكاني ونقص الغذاء ونضوب مصادر الطاقة . وهي أمور تؤدي بصورة أو بأخرى إلى الفقر والبطالة ، والاضطرابات الاجتماعية ، والتوتر السياسي ، وزعزعة الاستقرار الأمني ، بشكل يفوق خطورة التهديد العسكري .
ولمواجهة مثل هذا الوضع لابد من اتباع استراتيجيات متنوعة تهدف إلى حل تلك المشاكل ، بما ينعكس إيجابا على الوضع الاجتماعي ، ويحقق التقدم والاستقرار للمواطنين . فالأمن الوطني لا يمكن تحقيقه إذا كان الشعب يعاني من التخلف وعدم الاستقرار في عيشه ، تحت ظل قوانين جائرة تزيد من الضغوطات النفسية عليه ، ولا تلبي احتياجاته الأساسية .
والأمن الوطني يمكن تصنيفه بصورة شاملة تحت العناوين الرئيسية التالية :
1. الأمن السياسي : وهو ما يتعلق بالحفاظ على الكيان السياسي للدولة ، من خلال المشاركة الشعبية في صنع القرارات بوسائل ديمقراطية تحقق أمانيه .
2. الأمن الاقتصادي : ويرتكز على قدرة الدولة في توفير الخدمات الضرورية وتأمين احتياجات المواطنين بأسعار مناسبة ، تعتمد على زيادة الانتاج المحلي وتوفير سبل التقدم والرفاهية للشعب .
3. الأمن الاجتماعي : ويهدف إلى توثيق الروابط الاجتماعية وتحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين ، وتقوية الشعور بالولاء والانتماء للوطن .
4. الأمن العسكري : وهو ما يتعلق بإجراءات الحماية للمواد والمعلومات ومختلف مصالح الدولة ، ضد اختراقات العدو المتوقعة باستخدام التقنيات الحديثة .
5. الأمن المعنوي : ويهدف إلى التمسك بأهداب الدين والمحافظة على الأفكار والمعتقدات بعيدا عن التطرف والأفكار الهدامة ، والتصدي للحرب النفسية التي يشنها العدو.
6. الأمن البيئي : ويشمل اتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة التلوث والأخطار البيئية والتخلص من النفايات الخطرة .
لا شك بأن الأردن يواجه تهديدات خارجية وداخلية ، تفرض على الدولة الاهتمام بها ودراستها بدقة ، ووضع الخطط اللازمة لمواجهتها . ومن أهم التهديدات الخارجية : الحرب على الارهاب ، تزايد التنظيمات المسلحة في الإقليم ، الحروب الأهلية وعدم الاستقرار في بعض دول الجوار ، تعثر الحل السياسي للقضية الفلسطينية ، تدفق اللاجئين على البلاد بأعداد كبيرة ، التلويح بالوطن البديل ، الضغوط الإقليمية والدولية لإتّباع سياسات معينة.
أما التهديدات الداخلية فمنها على سبيل المثال : فقدان هيبة الدولة ، الإصلاح السياسي ، التباطؤ الاقتصادي ، المديونية العالية ، ضعف الاستثمار ، الفقر والبطالة ، انتشار الفساد ، الترهل الإداري ، تحدي رجال الأمن ، وقف التجنيس ، تحديد الهوية ، كثرة الضرائب ، أزمة الطاقة ، العنف المجتمعي والجامعي ، تدني مستوى التعليم ، انفلات الأسعار، زراعة وتعاطي المخدرات ، استغلال الوظيفة ، انتشار السرقات والرشوة.
لقد أعلن الأردن في العام 2005 تشكيل ما يسمي بٍـ”وكالة الأمن الوطني” مع بيان عام لواجباتها . ولكنها جُمّدت ولم نلمس لها أية أعمال لافتة في الأزمات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية ، أو في التنبيه للأخطار المحتملة في الدول التي تشهد انفلاتا أمنيا ومن بينها ليبيا على سبيل المثال، حيث اختطف أختطف السفير الأردني من قبل جماعة إرهابية وما زال محتجزا دون التوصل إلى حل .
يمكن تلخيص واجبات المجلس الوطني في حالة إنشائه، وصياغته لخطة الأمن الوطني بأربعة محاور رئيسية هي:
• التنبؤ بالتهديدات المحتملة خارجيا وداخليا وتحديد المناطق الساخنة في دول العالم والتنبيه لها.
• رسم استراتيجيات لتنمية مصادر قوى الدولة وبناء قوتها الذاتية.
• التوصية بتوفير القدرة المطلوبة لمواجهة التهديدات المحتملة ، وذلك ببناء القوة العسكرية والقوة الأمنية للتصدي لها عند حدوثها .
• إعداد السيناريوهات لمواجهة التهديدات المتوقعة ومتابعة تعديلها مع تطور المواقف ، على المستويات المحلية والإقليمية والدولية .
على ضوء ما تقدم يتضح لنا بأن تشكيل “مجلس أمن وطني أردني” هو ضرورة وطنية ملحّة ، من أجل مساعدة صانع القرار في تصويب قراراته . فمهمة هذا المجلس بصورة عامة هي حماية الأمن الوطني للدولة الأردنية من أي اختراق، وذلك من خلال استغلال كافة قوى الدولة: السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية. وهذا يستوجب إبقاء المجلس بحالة انعقد دائم، لمتابعة التطورات المستجدة على كافة الأصعدة ، وتقديم تقاريره الاسبوعية أو العاجلة مباشرة إلى رأس الدولة لاتخاذ القرارات المناسبة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.