نووي رحيم في البادية الشرقية . . !
مع إطلالة فصل الربيع هذا العام، يطل علينا معالي الدكتور خالد طوقان رئيس هيئة الطاقة الذرية الأردنية، حاملا هدية ثمينة يقدمها لأهالي البادية الشرقية، من أبناء قبيلة بني صخر الكرام وأبناء قرية الأزرق الطيبين. تتمثل تلك الهدية في زرع مفاعل نووي بين الطرفين على أطراف صحرائنا النظيفة.
لقد بشّر طوقان سكان تلك المنطقة في تصريحات أطلقها على صفحات جريدة الغد الأردنية الأسبوع الماضي، بوصول وفد روسي إلى المملكة ليبحث في قضايا معقدة، تشمل في أجندتها استكمال اتفاقية المفاعل النووي الذي ستنفذه شركة “روس آتوم” الروسية، بعد أن تقرر موقع إقامته رسميا بجوار قصر عمرة الأموي. وأوضح معاليه أن تكاليف إنشاء هذا المفاعل ستبلغ 10 مليارات دولار، تدفع الحكومة الأردنية نصفها تقريبا، بينما تدفع السلطات الروسية النصف الثاني.
وبهذه المناسبة لا يسعنا إلا أن نبارك لأهلنا عشائر بني صخر ومعهم أبناء الأزرق بهذا الضيف الجليل، الذي سيحل في ربوعهم خلال وقت قريب برعاية طوقانية كريمة. وما عليهم إلاّ أن يثقوا بتطمينات طوقان التي تقول بأن هذا المفاعل ليس كالمفاعلات القديمة المؤذية، وإنما هو مفاعل من نوع رحيم لا يصدر إشعاعات مسرطنة بل نسمات رقيقة منعشة .
يحاول معاليه أن يقنعنا بأن المفاعل الجديد معصوم من الخلل الفني لأنه يحمل تكنولوجيا متقدمة غير مجرّبة. وأي خلل نادر يقع خلال عمله في المستقبل، سيتولى معالجته موظفي هيئة الطاقة الذرية الأردنية الذين يتمتعون بخبرات عملية تفوق خبرات العلماء اليابانيين والأوروبيين.
أما السلامة الأمنية للمفاعل فهي مؤمنه حسب طوقان، إذ لا يمكن اختراقها من قبل العدو بالقصف الجوي والصاروخي أو بالأعمال التخريبية من قبل الارهابيين، بفضل حراساته المشددة على مدار الساعة. وبالنسبة لتبريد جوف المفاعل في حالة تعطل خطوط نقل المياه من بحر الخربة السمرا، فإنه نظرا لتقنيته المتقدمة لا يعشق ملايين الأمتار المكعبة من المياه، بل يكفيه بضعة أمتار مكعبة من المياه العادمة، يمكن نقلها للمفاعل على ظهور الدواب من أقرب موقع لضمان استمرارية عمله. أما النفايات النووية فيمكن دفنها في أي مكان قريب يوفر جهود النقل.
ومن حيث الكلفة المالية، فالمفاعل يحتاج لمبلغ زهيد بحدود 5 مليارات دولار، يمكن اقتراضها من المؤسسات المالية الدولية وإضافتها إلى المديونية العامة، والتي سيصل مجموعها خلال السنتين القادمتين إذا استمرت الأمور على حالها هي 32 مليار دولار. وهذا المبلغ سيتكفل بتسديده المفاعل النووي بعد 10 سنوات.
إن القول بتوفر البدائل الأخرى من الطاقة المتجددة، كالرياح والشمس والصخر الزيتي، وكذلك خطوط النفط والغاز التي ستصلنا من العراق في العام القادم، لا تجدي نفعا لأنها رخيصة الكلفة نسبيا، وطوقان يبحث عن طاقة مكلفة تضخّم حجم المديونية العامة. وفي هذا السياق لا يجدر بنا الاقتداء بالحكومة الصينية التي فتحت الباب مؤخرا أمام المستثمرين في القطاع الخاص المحلي والأجنبي، للاستثمار بمشاريع الطاقة المتجددة والحدّ من تباطؤ اقتصادها الوطني.
الأردنيون بمعظم شرائحهم يعارضون المشروع النووي، لقناعتهم بمساوئه الصحية والمالية والبيئية التي تفوق فوائده بدرجات كبيرة. ولكن طوقان والمنقلبون على قناعاتهم لأسباب معروفة، يصرّون على السير بهذا المشروع الخطير، غير آبهين بالأصوات المعارضة من العلماء الأردنيين وأبناء المجتمعات المحلية، باعتبارهم يجهلون حيثيات المشروع النووي وفوائده المنتظرة، التي لا يعلم أسرارها إلا طوقان وجماعته.
وإزاء هذا الإصرار الذي يتمترس خلفه طوقان للسير بهذا المشروع الكارثي مدعوما بقوة رسمية، يجعلنا نعلق آمالنا الكبيرة على عشائر بني صخر وأهالي الأزرق وكل الأردنيين الشرفاء، بأن يردوا الشر إلى من يتحداهم ويحبطوا تنفيذ هذا المشروع، الذي سيلوث البيئة وسيدمر صحة أبنائهم، برغم كل التطمينات الزائفة التي يطرحها طوقان في وسائل الإعلام المختلفة، مبشرا أهالي البادية “بمفاعل نووي رحيم” يزرعه في أحضانهم بغض النظر عن أخطاره المستقبلية، وليكن من بعده الطوفان . . !

