المشكلة في معان أم في عمان؟
المشكلة الأمنية في معان ليست بالحدث المفاجئ الذي ظهر على حين غرة في بحر هذا الأسبوع ، انها موجودة منذ عدة اشهر ولا اريد القول انها مزمنة منذ عدة سنوات ، وخلال العام الأخير قتل ٨ مواطنين على فترات متباعدة وحرقت مواقع وغير ذلك من أنباء لم تنقطع . والسؤال هو لماذا استمرت هذه المشكلة أمنيا وتصاعدت الى ان وصلت الى ما وصلت اليه في الايام الاخيرة ؟ .
الأغرب من ذلك كله انني سمعت من بعض وجهاء معان قبل اشهر، ان الامن سحب سياراته ومراكزه وترك المدينة للفوضى ، وعندما سألت عن الغاية من مثل هذا الإجراء الغريب قيل انه للضغط على السكان وإبلاغهم رسالة مفادها : إما ان تتصدوا للخارجين على القانون من بين صفوفكم او اننا سنترككم نهبا للفوضى اي ( روحوا قلعوا اشواككم بايديكم ! ).
لا نريد ان نصدق بانه يوجد في الحكومة وجهازهها الأمني من يفكر بهذه الطريقة التي لا تتماشى مع ابسط انواع المسؤلية ، لكن ما تفرض علينا الأحداث المحزنة تصديقه : ان الفشل هو عنوان الأساليب الحكومية التي أنتهجت حتى اليوم للتعامل مع المشكلة في معان ، اي ان أساس المشكلة في عمان التي تركت (الحبل على الغارب ) طوال هذه الشهور ، ولم تكلف نفسها التصدي لجذور الأحداث واحتوائها أمنيا واجتماعيا وعشائريا، والأدهى والأمر ، ما يلمسه المراقب من مظاهر التجاهل الرسمي لمكانة معان في تاريخ الاردن وتأثيرها على وعي الاردنيين عامة … الأردنيون الذين يتابعون منذ عدة سنوات ما يجري من احداث مؤسفة في هذه المدينة الجنوبية العزيزة عليهم جميعا ، التي تحتل في ذاكرتهم الوعي المبكر بالوطنية والعروبة ، لانها المحطة التي أقيمت منها الدولة وهي التي كتبت السطور الاولى في تاريخ ولادة الاردن الحديث .
يبدو ان الحكومة لم تر في معان خلال الأشهر المنصرمة الا مشكلة امنية ، وقد تجاهلت كل رأى او مشورة بان المشكلة ابعد من ذلك بكثير ، هي لم ترد ان تجترح حلولا اخرى ، لمواجهة ظواهر امنية خطيرة في كل البلد ، ولا تقتصر على معان فقط ، من معالمها نمو وانتشار حوادث تحدي الامن والقانون وهيبة السلطة .
ما جرى ويجري في معان على مدى اشهر طويلة شاهدنا مثله في الجامعات ومدن وقرى وبلدات اخرى ، وأقول اكثر ان الهاجس الأمني اصبح موضوعا يتداوله الأردنيون في كل حديث جماعي بينهم ، بسبب ما يتداول عن انتشار السلاح والسرقات والسطو وزرع المخدرات وتراجع هيبة الامن وقدراتها ، وأخطر من ذلك تراجع هيبة الدولة والحكومة وكل مسؤول يمثلها ، وهذا مؤشر على ان الحل الأمني (حتى يكون ناجحا ) ان يأتي كجزء من إجراءات إصلاحية شاملة تعيد بناء الثقة بالقانون والسلطة وهيبة كل منهما تحت عناوين العدالة والحرب على الفساد والمحسوبيات الضيقة . اي ان المشكلة في البداية والنهاية هي في الاصلاح السياسي والاقتصادي الذي لم ير النور وإنما أعيد انتاج التوليفات السياسية ذاتها التي تسببت في هبة نيسان قبل ربع قرن .
نأمل ان تبرد الرؤوس في معان وان يوضع الحل الأمني جانبا حتى يترك المجال للخيارات الاخرى ، لان اي نقطة دم تراق ستستثمر لتعميق الهوة بين الدولة وبين أهل معان والجنوب وباقي مناطق المملكة . والحل قد يبدأ بتظافر جهود الجميع من وجهاء معان وشبابها لنزع فتيل التوتر مع القوى الأمنية ، ثم التوجه الى حوار يعيد الى المعانيين الثقة بالسلطة والأمن والقانون على قاعدة ان الدولة للجميع ، وان المس بسلطاتها وفي المقدمة سلطة إقرار الامن ، هو أضعاف للبلد و الدولة وأمنها وهيبة مؤسساتها وكل هذا ان حدث لا سمح الله خسارة للمعانيين كما هي للاردنيين جميعا .
ان الجهد الأكبر والمسؤولية الكبرى في صيانة الدولة وحماية الامن والاستقرار وأرواح المواطنين وممتلكاتهم هي مسؤولية الدولة والحكومة التي عليها ان تثبت اولا للمعانيين بانها دولتهم وحكومتهم ، وان تقدم لهم ما يقنعهم بان جميع الاردنيين سواء في الحقوق والواجبات وان مطالب معان المحقة والممكنة تبقى على راس أجندة الحكومة في عمان .

