صحيفة الكترونية اردنية شاملة

حدود زجاجية

0

لا يحتاج “العارف” منّا باختصاصه – واختصاصات الآخرين إن لزم الأمر- إلاّ نظرة واثقة، وحديثاً يبتدئ بالمفردة الأكثر شيوعاً: “برّه، الوضع مختلف..”.
بعدما اعتقد كثيرون بغياب “برّه” عن مسرح الأحداث، وأن التغيير قادم لا محالة، اكتشفنا مجدداً أنها لازمة لا فكاك منها، وأن “جوّه”، التي لا نتلفظ بها وتُفهم ضمناً، لا يمكن تعريفها وتحديد أزماتها وتشوهاتها إلاّ بمقارنتها بـ”برّه”.
بمزيج من الدراية والانبهار يخبرك الطبيب بتطور الواقع الصحي “البرّاني”، ويشرح لك المهندس والأستاذ الجامعي ما وصل إليه العلم لدى جماعة “برّه”، ويبتكر الداعية برنامجاً تلفزيونياً يًظهر لك تمسك “البرانيين” بـما يسميه “جوهر” الدين، الذي نتشبث نحن بقشوره.
لا أحد منّا يوضح جغرافيا بعينها لبلاد الـ”برّه” وحدودها، وهل تعني الدول التي ينال أبناؤها دخلاً عالياً كالسويد، وهل يّمكن إدراج الهند أو جنوب أفريقيا – اللتان تشهدان قفزات علمية هائلة – في حيز الـ”برّه”، وهل تشمل دولاً أوروبية منهارة اقتصادياً مثل اليونان والبرتغال؟
أسئلة عديدة لا داعي لها، بالنظر إلى راحة الضمير، التي تصيبنا بعد استعراض أوضاع “برّه”، وظهور علامات التحسر لما آلت إليه الأمور في بلادنا.
بالطبع، ثمة تقدير خاص لحملة الشهادات من جامعات “برّه”، ولهفة أكبر تراود فتيات يحلمن بعريس يعمل في كازية أو مطعم في “برّه” البعيدة، وتمنح الإجازات السياحية إلى هناك تميّزاً لأصحابها مقارنة بالذاهبين إلى المناطق “الجوّانية”.
إجماع حول هذه الميزات، ولا ننتبه لغضبنا وحزننا من استخدامات “برّه” إلاّ إذا كانت تدّل على تلك “الحياة في مكان آخر”، إذ نندب حظنا لو طلعنا خارج مسابقة أو تنافس أو طابور أو “شلّة” في سبيل وظيفة ومقعد جامعي ومنصب وحضور اجتماعي.
في المقابل، تسري بدمائنا رعشة حين ينزلق الكلام إلى الحياة الباردة والكئيبة التي تحياها شعوب “برّه”، ونردد أرقاماً ونسباً عشوائية عن الجريمة والانتحار والتفكك الأسري في ديارهم، ونؤكد حينها رغبتنا المبطنة بالتمتع بنِعَم “برّه” من دون مغادرتنا لـ”جوّه”.
أستعير “حدود زجاجية” عنوان مقالي من إحدى قصص كارلوس فوينتس، التي يلخص خلالها استلاب المهاجرين غير الشرعيين من بلاده، المكسيك، لجارتهم اللدودة الولايات المتحدة.
يستدين ليسارندرو، عاطل عن العمل، مالاً يزجيه إلى عصابة تتكفل بتهريبه إلى أمريكا، وما أن يعتلي “سقالة” لتنظيف ناطحة سحاب، حتى يلمح فتاة شقراء شاردة، ومن خلف النافذة الموصدة يتحادثان بالإشارة، ويكتب كل منهما اسمه للآخر على الزجاج مقلوباً.
يقتربان أكثر ويلصقا شفاهما على طرفي الشباك، ويغمضان العيون دقائق عدة، وما أن تستفيق الموظفة حتى تدرك أن العامل لم يعد موجوداً!
إغماضة وقبلة في الهواء ونافذة موصدة تؤجج شغفنا الدائم بـ”برّه”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.