مايكروفونات بلا مستمعين
يصرّ سائق التاكسي أن الصينيين هم قوم يأجوج ومأجوج، الذي ورد ذكرهم في القرآن، وبذلك سيجتاحون العالم كلّه، ما ينذر بقرب قيام الساعة.
عبثاً رحت ألقي أسئلتي المشككة بروايته، التي لا تقبل الطعن بصدقيتها، وظلّ يسوق براهينه لإثبات ما أسماه “الغزو الأصفر”، ثم التفت يمنةَ ويده تؤشر على ثلاثة آسيويين يعبرون الشارع.
كان جدالاً عقيماً، فلم أستطع إقناعه، على الأقلّ، بأن ملامح هؤلاء العابرين كورية لا صينية، ورمقني بنظرة تدلّ على جهلي بحقائق الأمور وخفاياها.
“الخفايا” ذاتها تغيب عنّي لحظة أطلق البقّال نظريته عن الطائرة الماليزية، مباغتاَ زبائنه الذين راحوا يستوضحون منه المزيد حول كائنات فضائية تعيش بيننا، وتُجنّد لصالح أجهزة استخبارات عالمية منذ سبعينيات القرن الفائت.
خرجت من المحل والأصوات تتشابك بين رهط من الرجال يحتفظ كلٌ منهم بـ”سرّ الطائرة”، وأسرار أخرى أضعت فرصة الاستماع إليها.
زميل العمل كان لي بالمرصاد، وبدا متأهباً للتعليق – بأثر رجعي – على أسباب سقوط بغداد بيد الاحتلال الأمريكي. 11 عاماً من الوقائع الدامية المتلاحقة لم تثنه عن الإيمان بروايته الخاصة لما جرى، وأن هناك أموراً حدثت وتحدث، لكننا لا نسمع عنها في نشرات الأخبار.
رددت بالصمت. فالبارحة تحوّل المكتب إلى ساحة صراع موضوعه مصر، وانفضت الجلسة بتبادل الشتائم بين الزملاء وضيوفٍ يأتون من أجل الثرثرة، ومنذ يومين شهدنا نقاشاً مفتوحاً حول أحداث مخيم الزعتري، وفي مرات سابقة تبارز الحاضرون بمواقفهم تجاه الأزمة الأوكرانية، والمفاعل الإيراني، واعتزال فنانة مصرية، وصولاً إلى انتخابات الطلبة في الجامعة الأردنية.
أتجوّل في المساء فيسبوكياً؛ فيحاصرني مئات “الأصدقاء” يقومون – تطوعاً- بمهام الناطقين الإعلاميين: أحدهم يتفرغ للشأن السوري، وثانٍ يفك لغز التوتر القطري السعودي، وثالث يكتب عن العلاقة بين سقوط المذنبات وانتشار مرض الايدز، وآخر يلوك ما يطرحه كتّاب “أفذاذ” حول الجيوش والدولة الوطنية ومستقبل المشرق العربي، وخاطراتهم التي تحيل التاريخ إلى دين يستعبد البشر ويمنعهم من التفكير طالما هناك فرضيات جاهزة تقرأ كل المستجدات على وجه البسيطة.
ألغي زيارة مقررة لتهنئة صاحبي بمولوده الجديد، لأنجو من حوارات متوقعة تنبش ما فاتني من أخبار.
في الصباح الباكر، وفور مغادرة البيت، تواجهت مع أصدقاء وأقارب وزملاء العمل والجيران، وإلى جانبهم البقال وسائق التاكسي والآسيويون الثلاثة وسائحون آخرون، ومن خلفهم سكّان المدينة بأكملها، وقد تدلّت أمامهم مايكرفونات لا تحصى، وصُوّبت نحوهم كاميرات التلفزة، ويتحدثون جميعاً في الوقت نفسه، ولم يكن يسمعهم أحد!

