مدخرات الصين تعيد رسم خريطة التمويل العالمي
هذا العام ستبلغ المدخرات الوطنية الإجمالية في الصين نحو خمسة تريليونات دولار، مقابل مدخرات في الولايات المتحدة عند ثلاثة تريليونات دولار فقط. في حال، كما هو مقرر، فتحت الصين حسابها الرأسمالي – أي السماح للأجانب بالاستثمار في الصين وللصينيين بالاستثمار في الخارج – فإن حجم ادّخارها سيعمل بالتأكيد على إعادة تشكيل التمويل العالمي. وإذا تم ذلك بشكل جيد، فإن من شأن التحرير إحداث تغييرات كبيرة. أما إذا تم بشكل سيئ، فبإمكانه زعزعة أسس التمويل العالمي الضعيفة أصلاً.
يجلب حساب رأس المال المغلق في الصين فوائد مهمة للبلاد نفسها وللعالم على حد سواء، فهو يسهّل نسبياً على الصين مواجهة الصدمات المالية المحلية. كما أن حدوث تباطؤ صيني شديد وغير متوقع سيكون حدثاً كبيراً، لكن انعكاسه على الأنظمة المالية في كل أنحاء العالم سيكون طفيفاً نسبياً.
إذا تم فتح الحساب الرأسمالي، فثمة أمور ستتغير أي أزمة قد يصبح من الصعب مواجهتها، وقد يكون تأثيرها على النظام المالي على باقي أنحاء العالم أيضاً أكبر بكثير. وإذا أصبحت الكيانات الصينية على المدى الطويل، صاحبة أكبر الأصول المالية في العالم عندها، فإن أي صدمة كبيرة داخل الصين ستصبح حدثاً عالمياً، تماماً كما عمل الكساد العظيم في الثلاثينيات، والركود العظيم في العقد الأول من القرن الحالي في الولايات المتحدة، على زعزعة اقتصاد العالم.
في وثيقة نشرت في 2012، جادل بنك الشعب الصيني أن الحساب الرأسمالي المفتوح من شأنه تحسين نوعية الأصول الأجنبية الصينية، وتعزيز استخدام عملة الرينمينبي عبر الحدود، والمساعدة في إعادة هيكلة الشركات في البلاد.
علاوة على ذلك، يصر البنك على أن الضوابط الرأسمالية أصبحت غير فعّالة، بالإضافة إلى ذلك، أشار إلى أن “الصين لن تواجه مخاطر كبيرة” إذا فتحت الحساب الرأسمالي، وذلك لأن أصول وديون البنوك مقومة بعملة الرينمينبي، والديون قصيرة الأجل تمثل نسبة صغيرة من ديون الصين الأجنبية، إضافة إلى أن المخاطر في العقارات المحلية والأسواق الرأسمالية، من الممكن التحكّم فيها.
الشعور بالكبرياء ربما يسبق وقوع الانهيار، كما رأينا عدة مرات، فإن مستوى جودة الميزانيات العمومية يمكن أن يتدهور بسرعة مخيفة، خاصة إذا دخل فرص ولاعبون غير مألوفين إلى الأسواق المحلية.
في 1998 جادل ستانلي فيشر، الذي كان في ذلك الحين نائب العضو المنتدب في صندوق النقد الدولي، بأن الشروط المُسبقة لعملية التحرير الناجحة للحساب الرأسمالي هي وجود بيئة اقتصاد كلّي مستقرة، ونظام مصرفي متين، وأسواق مالية متطورة. تفتقر الصين بالتأكيد إلى الشرط الثالث. وما إذا كانت تملك الثاني فهذا أمر مطروح للنقاش إلى حد بعيد، وكذلك الشرط الأول، لنفس السبب.
ونظراً لمخاطر تحرير الحساب الرأسمالي، ولا سيما في مثل هذا الاقتصاد الضخم، فإن وجهة النظر المنطقية هي أن الصين ليس جاهزة بعد.
يدرك بنك الشعب الصيني هذه الحقيقة، لذلك اقترح تقسيم المهمة على ثلاث فترات. في الأعوام الثلاثة الأولى، سيتم تخفيف الضوابط على الاستثمار الأجنبي المباشر للشركات. وعلى مدى من ثلاثة إلى خمسة أعوام، سيكون الهدف هو تخفيف الضوابط على الائتمان المتعلق بالتجارة وتعزيز تدويل عملة الرينمينبي.
وعلى مدى من خمسة إلى عشرة أعوام، كانت الخطة تقضي بفتح تدفقات رأس المال الداخلة قبل التدفقات الخارجة. كما كان بنك الشعب يعتزم ترك التعاملات الشخصية، وأدوات الصناديق المشتركة، والمشتقات، حتى النهاية. وأراد أيضاً استبعاد تعاملات المضاربة (التي يصعُب تحديدها) إلى أجل غير مسمى.
من السهل رؤية سبب جاذبية مثل هذه الخطة لفتح الحساب الرأسمالي. أولاً، يمكن أن تكون حافزاً كبيراً للإصلاح المحلي. ثانياً، الادخار الصيني الضخم محتجز الآن داخل الصين.
لقد كان الشكل الرئيسي لتدفق رأس المال إلى الخارج هو تراكم احتياطات العملة الأجنبية من قِبل الحكومة. لقد بلغت 3.8 تريليون دولار في كانون الأول (ديسمبر) الماضي بمعدل نحو ثلاثة آلاف دولار لكل مواطن صيني، وهذه قيمة تعتبر ضخمة وغير مُجزية إلى حد كبير للغاية. إذا تم تحويل جزء منها إلى أصول حقيقية، سيكون ذلك أفضل بكثير.
مع ذلك، فتح الحساب الرأسمالي أيضاً محفوف بالمخاطر، ذلك أن الزيادات الكبيرة جداً في إجمالي التدفقات (وكذلك الأسهم) ستتبع على كلا جانبي الميزانية العمومية. وفي دراسة لبنك إنجلترا نشرها في نهاية العام الماضي، أشار إلى أن الجمع بين فتح الحساب الرأسمالي، والنمو الاقتصادي السريع نسبياً، وانخفاض الميل لتفضيل الأصول المحلية، ربما يؤدي إلى زيادة أصول وديون الصين الخارجية من نسبة أقل من 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى نحو 35 في المائة بحلول 2025.
بالمثل، جادلت دراسة لصندوق النقد الدولي نشرت في آب (أغسطس) الماضي، بما يلي: “تحرير الحساب الرأسمالي قد يتبعه تعديل في كميات ومقادير الأصول الصينية في الخارج بنحو 15-25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مع تعديل أقل لمقادير الأصول الأجنبية في الصين في حدود من 2 إلى 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي”.
هذا من شأنه أن ينطوي على تراكم صافٍ للأصول الدولية الصينية في حدود 18-11 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، عندها ستنتقل الصين من كونها لاعبا مساعدا نسبياً في أسواق رأس المال العالمية، إلى لاعب أساسي.
هناك فصل في كتاب “الطريق إلى المزيد من الاستقرار المالي في الصين”، الذي نشره صندوق النقد الدولي العام الماضي، يعطينا قائمة ببعض البلدان التي شرعت في تحرير النظام المالي والحساب الرأسمالي، لتجد نفسها وقد اصطدمت بالصخور: إندونيسيا، والمكسيك، وكوريا الجنوبية من بين هذه البلدان.
جميع عمليات التحرير تفتح فرصاً غير مألوفة. حينها فإن فتح الحساب الرأسمالي سيزيد من الفرص ومن عدم الإلمام. وإذا كان النظام الذي تم فتحه مليئاً بتشوهات الأسعار، وينتشر فيه الخطر الأخلاقي – وهما أمران تعاني الصين منهما على نطاق هائل – فإن احتمالات حدوث حادث مؤسف، تصبح كبيرة.
وإذا كان المُنظمون يعملون في بيئة غير مألوفة، كما هي الحال في الصين، فإن الاحتمالات ستكون أكبر مع ذلك. كذلك إذا كانت نسبة الائتمان المحلي والأموال إلى الناتج المحلي الإجمالي مرتفعة جداً أيضاً (كما في الصين)، فإن الاحتمالات تصبح حتى أكبر من قبل. وأخيراً، ما يمثّل مصدر القلق العالمي هو أن يكون الاقتصاد قيد المناقشة هو الأكبر في العالم.
غريزة بنك الشعب في أن تحرير الحساب الرأسمالي قد تكون بمثابة قوة ضاغطة من أجل الإصلاح، فرضية صحيحة. علاوة على ذلك، فإن مثل هذا الإصلاح لن يكون مجرد إصلاح مالي واقتصادي، بل سيكون سياسياً أيضاً. إن تم تحرير وفتح الحساب الرأسمالي الصيني بالكامل، فإن الحكومة ستفقد قبضتها عن الأداة الأكثر فعالية في جميع روافعها الاقتصادية.
مهما كانت الجوانب الجذابة للسرعة، يجب التعامل مع هذه العملية بعناية. بالنسبة إلى الصين والعالم، المخاطر كبيرة جداً وتجعل من غير السليم التعامل مع هذا الأمر، بأي طريقة أخرى. بالتأكيد استمتعنا جميعاً بما فيه الكفاية بالأزمات المالية، بما يعطينا مادة للمتعة تستمر لفترة طويلة. لذلك يجب على الصين الإصلاح أولاً وعندها فقط بإمكانها فتح الحساب الرأسمالي، ومن الأفضل أن يكون ذلك على شكل حوار وثيق مع شركائها.
على المدى الطويل من المحتمل أن يصبح الحساب الرأسمالي الصيني مفتوحاً إلى حد كبير ومع الوقت، بدون شك، سوف يملك المدّخرون في الصين أجزاء كبيرة من العالم. على أنه، كما يقول الرومان: دعهم يستعجلون، ولكن ببطء.

