الفلسطينيون ليسوا بلا خيارات..!
جرب الفلسطينيون كل شيء تقريباً. جربوا الحرب والسلام. جربوا العمل من خارج الوطن وفي داخل الوطن. جربوا الكفاح المسلح والاحتجاجات والانتفاضات اللاعنفية. ومن كل ذلك وغيره، أنجزوا شيئاً واحداً، لا أقلل من قيمته: البقاء حاضرين في العالم كشعب له قضية. وفيما عدا ذلك، ما يزالون بعيدين جداً عن تحقيق غاية النضال: تحرير الوطن والعودة إليه.
الآن، يتوقف الفلسطينيون ثانية على تقاطع حرج غامض الوجهات: ماذا بعد فشل مفاوضات “كيري” المحتوم؟ أي حلول يمتلكونها وهم محتلون أو مشتتون ومجردون من الأوراق؟ إلى أين المسير للخروج من المأزق الصعب؟
في الحقيقة، ربما تخدمهم ببعض الإجابات ردود فعل الأطراف العدوة المنخرطة في المسألة الفلسطينية -على الأقل بما يوفر خريطة طريق بسيطة يمكن الاسترشاد بها لتلمس الخطوات الأولى. أولاً، إن النظام الاحتلالي يريد استئناف المفاوضات، ويهدد بعدم إطلاق الأسرى واتخاذ خطوات تصعيدية في حال انسحب الفلسطينيون. مصلحة الكيان في استمرار المفاوضات (وليس التوصل إلى حل) معروفة. إنها توفر له غطاءً وتشتري له الوقت بالمجان لتأكيد وقائع الاحتلال على الأرض والتعمية على حقيقته العدوانية، باعتباره يتفاوض مع “دولة” لها رئيس. الانسحاب من المفاوضات يوجع العدو ويضرب مصلحته: إذن، أوقفوا المفاوضات بلا رجعة قريبة.
ثانياً، بعد كل هذه الفترة، اتضح أن وجود السلطة الفلسطينية منذ “أوسلو” 1993 وحتى الآن خدم هذا الأمر بالتحديد: إدامة حالة المفاوضات التي حقق خلالها العدو أغراضه المذكورة. لذلك يحرص الكيان وراعيته، أميركا، على بقاء السلطة بمواصفاتها المعروفة، ويرتعبان من احتمال حلها. سوف يعني حلها مواجهة المجهول الذي قد يشكل خطراً على الاحتلال. أما “السلطة” التي يسميها أحياناً شريك سلام وأحياناً لا يعتبرها كذلك، فقط وفرت له شريكاً لا يُثمن، والذي يسّر له توسيع استيطانه، وقيّد عنه يد المقاومة الشعبية، وحمى له جنوده ومستوطنيه في داخل الخط الأخضر وخارجه ببنادق فلسطينية/ أميركية، وأعفاه من الكلف المادية والأخلاقية للاحتلال. وبلا حصافة، فضحت “السلطة” طبيعة دورها كثيراً حين هددت قادة الكيان بالاستقالة، باعتبار أن حلها نفسها سيحرجهم ويضعهم في ورطة. المطلوب الآن وفي كل آن هو وضع الاحتلال في ورطة: حلوا “السلطة” إذن، احرموهم من “الشريك” الذي يتنكبون ظهره، وفككوا أجهزة الأمن الساهر على أمن الاحتلال وأعيدوه إلى معسكر مواطنيه.
ثالثاً، يتخوف الاحتلال، بل ويخوفه رعاته الأميركيون الآن، من قيام انتفاضة ثالثة، ويعتبرونها بديلاً خطيراً عن الهدوء الذي يخلفه ضبط القيادة الفلسطينية للفلسطينيين. إذن، فليكن الفلسطينيون في حالة انتفاضة دائمة وعصيان مدني. نشطوا العمل النضالي المقاوم في الداخل والخارج وكل مكان يوجد فيه فلسطينيون. وأيضاً، يخشى ناصحو العدو، في حال فشلت المفاوضات وسقطت “السلطة” وخيار الدولتين، من عودة فلسطين كلها إلى أرض متصلة تحت الاحتلال. وسيقود ذلك إلى خيار الدولة الواحدة الذي سيُفشل يهودية الدولة. إذن، فلتصنعوا ما يخشاه العدو.
رابعاً، بعد كل هذا “الهبل” التكتيكي -عذراً، لا أجد وصفاً أدق- الذي شوّه تعريفات فلسطين والفلسطينيين حتى أصبحت على التوالي: 11 % من فلسطين التاريخية، وسكان الضفة فقط، وكل ذلك بلا أي طائل سوى مسخ القضية، من الضروري وجودياً استعادة التعريفات الحقيقية والواقعية لفلسطين والفلسطينيين كما هم: فلسطين، هي الأرض العربية التاريخية المحتلة بين البحر والنهر؛ والفلسطينيون هم كل أصحابها الذين قطنوها قبل 1948، والذين ظلوا فيها بعد ذلك أو هُجروا منها، وكل أبنائهم وأحفادهم المنفيون في الشتات. لن تغير أي “حقائق على الأرض” هذه الحقيقة المسنودة بكل شيء، حتى روايات “المؤرخين الإسرائيليين” الجدد أنفسهم.
خامساً، تخلصوا نهائياً من الفصائلية الغبية والاحتراب الداخلي الأرعن. واتفقوا على شعار واحد: “تحرير فلسطين”. أعيدوا لم شمل فلسطينيي الداخل والشتات، وأشركوهم في العملية النضالية كل حسب موقعه وقدراته. سيمكن بعد قطع قيود “أوسلو والسلطة” العمل بحرية فوق الأرض وتحتها، وتنفس هواء نظيف. اعقدوا مؤتمرات يتمثل فيها كل الفلسطينيين في الداخل والخارج لانتخاب قيادات والتفكير في استراتيجيات.
أخيراً، العدو يقتلكم كل يوم. عودوا إلى العمليات العسكرية النوعية ضد أهداف داخل الكيان. اجعلوا المحتلين يسيرون مرتعبين في الشوارع المحتلة كما يفعلون بكم. ربما يحمل الخوف الكثيرين منهم على جمع ملابسهم والعودة إلى أوطانهم!
الغد

