التفكير بالبؤر الضيقة
الذين يعملون بهدوء وصمت وعمق تفكير ، هم الهادون المهديون ، حباهم الله الحكمة وجزيل العطاء فمجال أعمالهم وابداعاتهم تمتد على ساحات الوطن وأبعد ، غير محصورة في بؤر ضيقة ، لا يتجاوز محيط الاسرة ، وليسوا مصابين بأمراض قصر النظر ، الذي لا يتعدى موطئ القدم .
العظمة بالتفكير ان يكون هناك انجاز يوازي هذه العظمة ، ويترك بصمات لا ترحل وان رحل أهلها عن هذه الدنيا ، يؤرخها المؤرخ ويبدع بوصفها الشعراء ، قصائد ملحمية ، تدرس بالمناهج المدرسية ، وتتناقلها الاجيال رغم مضي الزمن ، يقطفون منها ثماراً تتجدد كل عام ، خضراء مخضرة وارفة الظلال لا تعرف الذبول .
الوطن بحاجة للعاملين بصمت وتفكير على الدوام ، لكننا اليوم بأمس الحاجة أكثر من اي وقت مضى ، فالوطن الشامخ الذي بناه الآباء والأجداد ، نريده ان يبقى شامخاً ، لا ينزل عن عليائه ، وان لا تذهب به الرياح وان اشتد سمومها ، واحاطته اخطار ملتهبة يطفئها الله في مهدها ، وتكون كنار ابراهيم بردا و سلاماً ، فالاردن واهله محبون للخير لانفسهم ولمن سواهم .
التكاتف والتماسك والتضامن والعمل بروح الفريق ، هو النجاة من أمواج البحر العاتية ، ومن عواصف الصحاري المقفرة ، والتفكير بالمصلحة العامة بعيداً عن التفكير بالبؤر الضيقة ، التي ربما كان اغلبها مستوردا بطرق شتى ، بالرضى او الاكراه ، بالاغراء او استغلال الحاجة والعوز والفقر .
ان استهلاك مقومات الوطن واستنزاف موارده ، ناتج عن فقر العقول وضعفها ، ومرضها بالداء العضال ، الذي يأكل اللحم وينخر العظم ويشرب الدم ، ويجعل من البلاد هياكل عظمية ، فتكون اثراً بعد عين ، فكم من عقل بنى امة وكم من عقل هدمها ، فعمر بن الخطاب بنى اعظم دولة في ذاك التاريخ ، حين اذاب امبراطورية بكاملها ، ودحر امبراطورية اخرى من مكان احتلالها الى غير رجعة ، وكان ذلك بعشر من السنين ، وبلاد الاندلس ذهبت وضاعت بعد خمسة ملايين شهيد وثلاثة تشريد واثنين تنصروا ، وكل ذلك من حسن التدبير او من سوئه ، وكل يوصف بما هو أهل له .
هذا الوقت تحديدا ، هو وقت نداء العقل ، واستعماله بكل طاقاته وقدراته ، فبالعقل السليم نجاة من كل الازمات الطارئة او المخطط لها بأحكام وتدبير ، فأمام العقل يذوب الحديد رغم صلابته ، وتتكسر الصخور رغم علو مكانها ، هذه هو المراد اليوم التفكير بعيداً عن البؤر الضيقة .
حمى الله الأردن وشعبه ومليكه .
الدستور

