صحيفة الكترونية اردنية شاملة

حدوثة رعب مصرية…الجزء السادس

0

فجاة أشَرت نادية بيديها للأمن ليلقوا القبض على الرجل فانطلق الرجال محاولين الامساك به، و لكن أيديهم مرت من خلال جسده كما تمر في الهواء الطلق فدوت في الحديقة صيحات الهلع و الخوف من الجمهور، و هم بعض منهم بمغادرة الفيلا و البعض الاخر احاط ببولس و عائلته محاويلين تهدئتهم.

إتجه الرجل صوب البوابة التي أتى منها و اختفى بسواد الليل الذي كان يغلف جزءا بعيدا من الحديقة، فلحقه بولس و هو يصرخ “والله ما رأيت أغرب من هذا،”

فقال احدهم لجاكلين “اطلبي من الكاهن ان يصلي عليها،” و قال آخر “ربما يكون من صنع لها عمل او حجاب، سأقرأ عليها القرآن”

أعلن مرقس للجمع “أرجوكم تصرفوا كأنه لم يحدث شيئ، فلن ندع عجوز ساخر يعبث بأمسياتنى.”

عاد بولس و صياحه يدوي في الحديقة من الصدمة “مرقس نادية البوابة مغلقة بسلسلة من حديد و يعجز اي شاب يافع ان يقفز من فوقها،”

لكن بالرغم من محاولة صاحب الحفل تهدئة ضيوفه الا انه في خلال نصف ساعة غادر الجمع القصر و بقيا بولس و نادية لوحدهما يفكران بتفسير ببذي قاله العجوز،

1/OCT/2010 الجمعة، بورتو مارينا، ميناء حورية مرسى علم :003 صباحا :

جلس مرقس على الكنب داخل يخته الخاص الذي كان راسيا في الميناء السياحي في مرسى علم يستمتع بالهدوء المهيمن على الاجواء البحرية الرطبة، كانت اصوات الامواج الهادئة و هي تغازل الشواطئ الازلية بين الفينة و الاخرى تقطع سكون الليل، حتى اليخوت المحيطة كانت ساكنة من دون حراك لحسن حظه، فكان بحاجة للراحة بعد السفر بطائرته الخاصة من القاهرة الى مرسى علم و للتفكير الطويل بمجريات الحفلة الصاخبة التي انتهت مع ما جلبته معها من مفاجئات منذ ساعتين، بالفعل كانت غريبة جدا و الرجل العجوز كلامه مريب، ما هو المدفون تحت الرمال الحمراء يا ترى، و هل هذه الرمال هي صحراء وادي رم؟ كان له اصدقاء كثر في الاردن و كان يسمع منهم كيف ان هنالك مناطق بها الذهب العثملي و الرَصَدْ الذي كان يحرسه و كيف ان هذه المناطق بكر و لم يتم استخراج ذهبها بسبب الرصد السحري، ربما كان هذا الرصد السحري للذهب الفرعوني الذي سيخرجه الجنرال في المستقبل القريب؟ و لكن لا، لا يجب ان يكون ضعيفا فالذهب اذا استطاعوا استخراجه سيباع باثمان كبيرة،

“يا جنرال، هيا اسرع وسافر الى الاردن فحين رجوعك انت ورقة شايب محروقة في كروت لعبتي، الا تعلم انني قَصْ مَوْتِكَ،” الغبي ما كان يعلم بما يخبئه له قدره عندما ينتهي من العملية، صحيح انه ذو خبرة عسكرية عريقة و خدم الجيش المصري بكفائة تامة، و الأوسمة التي يرتديها في الحفلات الرسمية كانت تزين صدره بالكامل من كثرتها، ولكن عملهم كمافيا مختلف تماما عن ادارة الثكنات العسكرية، خبرة الجنرال العسكرية لن تفيده بشيئ، فعملهم يتطلب الحنكة و الفطنة و المكر، فلولا العيون الروسية التي كانت تراقبه على مدار الساعة لكانوا جميعا في خبر كان، أه يا جنرال كم انت غبي فلولا آيفن كانت العميلة السرية زَجًتْ بنا في الجحيم،

عندما قررت السكرتيرة السالفة ترك عملها لمتابعة عقد عمل آخر في شركة أخرى قام رؤوف بالاعلان عن الشاغر في الجرائد الرسمية كما كانت ستفعل اي شركة في مكانه، و بعد عشرات المقابلات مع المتقدمات للوظيفة قابل واحدة ذات كفائة و خبرة عالية، كان اسمها الهام ابوالذهب و كانت حاصلة على شهادة سكرتارية من اعرق المعاهد في القاهرة، كما ان خبرتها كبيرة في مجال المراسلات، فقام بتوظيفها بسرعة لِتُخَفِفْ عنه ضغط العمل و مسؤولية المكتب، و خلال فترة الشهر الاول كانت تقوم بعملها بالصورة المعهودة لأي سكرتيرة قديرة، و لكن حدث طارئ لفت انتباه آيفن، فبعد وصول الشحنة المعتادة و قبل نقلها الى المستودعات من الميناء كانت إلهام جالسة في مكتب الجنرال حيث كان يملي عليها نص مراسلة تجارية و كان آيفن موجود معها في المكتب على وشك الانطلاق بمأمورية كُلِفَ بها، و لكن رَنً هاتف رؤوف النقال و عندما اجاب قال بصوت عال مرحبا ايها النقيب، فإلتفت له ليلى بحركة عفوية و كأنه يناديها، فارتبكت قليلا ثم تابعت عملها كالمعتاد، لفتت انتباه آيفن هذه الحادثة و حيث انه بكل مكر أخفى في هذه اللحظة انه أدرك حركتها العفوية لم تشعر إلهام بأي خطر و أنه تَنَبًهَ أَحَدٌ لِمَا جرى، و في خلال دقائق قليلة قام بأخباره بالمجريات، ثم أخبر الجنرال بالحادثة و قاموا بفصل الكوكايين عن السكر، فتثبتت شكوكهم عندما هاجمت الشرطة الشحنة المنتقلة الى القاهرة و لم تجد شيئا،

فقام الجنرال بحبس ليلى و حصل على ملفها من خلال علاقاته الشخصية في الجيش، فكانت نهاية سريعة لها، لا شك ان الجنرال كان ذكيا بالطريقة التي تخلص بها من الجثة…بل قويا ايضا في تحذير الدولة من الاقتراب منه و اعماله، و لكن امره قد إكْتُشِفَ و فقد مساندة المجموعة له،

نظر الى ساعته و اذ بها تشير الى الثالثة و عشرة دقائق، ستأتي بعد ثلث ساعة من الان، كم كان الترقب يُشْعِلْ ذاته باللًهْفَةِ فعندما رآها في حفل لصديقه سالم ناصر في الاردن أكد صديقه انها ستلبي كل طلباته فكانت جميلة و جذابة و ذات خبرة عالية و في الخمسين من العمر كما كان يحب، كان معتاد على إمراة مصرية لِتَلْبِيَةْ احتياجاته إلًا انه لِأَوَلْ مرة سَيَكْسِرْ الروتين و سيجتمع مع امرآة لبنانية، و الرائع بالموضوع ان زوجته ستغيب لاسبوع كامل لتساعد صديقتها في تحضيرات زفافها في فرنسا و لتحضير حفل الاستقبال، بالرغم من حبه لزوجته و التي كانت من عائلة ثرية و ابنة الملياردير المعروف حكمت شكري مالك مجموعة شركات عالمية للازياء و العطور الا ان في هذه اللحظات كانت تنطلق حرياته الجنسية بلا قيود و خجل، فالنساء الذي يأتونه كانوا يأتون لإمتاعه بنقوده، و كانوا ينفذون بلا نقاش كل طلباته، و بعد إشباع رغباته الجنسية كان يبارح اليخت لتبقى اسراره في طي الكتمان داخل الجدران العائمة، فيجب ان يبقى هذا السر بعيدا عن زوجته خوفا من غضبها هي و عائلتها، ناهيكَ عن اخوتها الثلاث و عن المشاكل و الشجار معهم،

تعرف علي نادية بالصدفة حين سافر الى فرنسا و دخل شركتهم طالبا ان يكون المُوَزِعْ الرسمي لبعض من عطور شركتهم في مصر، كان حينها مالك لشركة متوسطة لا يزيد رأس مالها عن نصف مليون دولار و كان الطُموحْ و الرغبة في الانجاز يغلي بعروقه، فحينما قابلها في مكتبها دق الحب ابواب قلبهم بسرعة و ما كان في نَفْس نادية في نهاية الاجتماع إلًا كل إصرار و رغبة في ان يتعرف على والدها و اهلها لإمضاء معهم شخصيا العقود، و بعد هذه الحادثة باسبوع تلت بضع مكالمات هاتفية و زيارات بينهما ليستقر بهم الامر الى الخطبة و الزفاف بعد ثلاثة اشهر،

لم تُوَفِرْ نادية جهدا في تعريف مرقس على كل معارف اهلها في فرنسا و مصر و الذين كانوا يتمتعون بالنفوذ و المال، فبعد زواجهما و في الحفلات التي كانوا يقيمونها كانت المصالح و النقود تلتقي لِتُيَسِرْ أمور أجندة اعماله التجارية، و في غضون العامين قام بتأسيس شركتين كبيرتين ليصبح في رصيده ثلاثة شركات كبرى، الاولة كانت لتوزيع العطور و الثانية للاستيراد و تصدير المواد التموينية و الثالثة لتصنيع و بيع المنظقات المنزلية، اما الرابعة فكانت اكبرها و حديثة المَنْشَئْ و هي فتح مصنع لصناعة السيارات مع صديق خليجي، كانت شركاته بفضل علاقات زوجته تنموا و تكبر و لكن وَلَعَهُ للمال كان لا ينتهي فدخل بغير علم زوجته في مافيا سرية لتجارة و بيع المخدرات و التُحَفْ المسروقة، و بفضل هذه التجارة وصلت حساباته الى ربع مليار دولار، و لكنه حوت صغير بالنسبة لِعَمِه والد نادية فإذا غَضِبَ منه سيجد مليون طريقة لتحطيمه و عقابه بلا رحمة،

فجأة سمع اصوات نعل نسائي على مدخل اليخت الكبير، قام و توجه الى الباب و فتحه مُرَحِباً الى ان الصدمة خَرَسَتْ لسانه و أردته واقفا كتمثال حجري في مكانه، دخلت بكل ثقة لتنشر عطرها من حوله فأغمض عينيه و امواج الاشتياق تنتشر في كيانه، شعرها البني الطويل الذي كان يتراقص يمنتاً و يساراً على ظهرها كان يُبْرِحُهُ ألماً كالسياط الجالدة من شدة جماله و يوقد نار الرغبة بذاته، جلست بكل هدوء على كنب اليخت، كانت ترتدي قميصا احمر و بنطالا اسود و نعل كعب عالي انيق، كانت اول ثلاثة ازرار من قميصها غير مربوطة مبينة جزء يسير من حُسْنِ صدرها و بياض بشرتها يلمع تحت اضواء اليخت الانيقة، و لكن كانت عيونها السوداء مليئة بالغضب فقالت آمرة “اذهب و حرك اليخت الى عرض البحر،”

إستجمع قواه بعذ دقيقة صمت و قال مرتبكا “هنالك ضيفة ستأتي،”

“لن تأتي، اذهب و حرك القارب،”

في خلال ثوان معدودة كان اليخت الكبير يتحرك الى عرض البحر و كانت المسافات بينه و بين اليبس تَكْبُرْ، “ما هذا التغير المفاجئ في الخطط يا ترى؟” رغدة كانت امرأة ذات شخصية قوية و قادرة ان تفعل ما تريد، فصديقها كان رجل الاعمال الخليجي الذي كان سيفتح معه شركة السيارات و ما كان يريد أَيًةْ مشاكل معه او على مصالحه، السياسة مطلوبة بعمله و سرعان ما كان سيعرف ما المقصود بحركتها، بالنهاية سورية او مصرية او لبنانية كانوا بالنسبة اليه كالسِلَعْ و لكن رغدة بالذات كانت امر مختلف،

اوقف محرك اليخت و ارسى مرساته، نظر الى الافق فما كان واضحاً من الميناء الى اضوائه و التي إضْمَحَلًتْ بالمسافات الى نجوم صغيرة متلألئة، توجه مرة أخرى الى الصالة مبتسماً، كانت واقفة عند البار تشرب الجعة و رائحة عطرها الوردي كانت منتشرة في الاجواء، إمرأة بِقِمًةْ حسنها بالرغم من انها في السابعة و الاربعين من العمر، سأل محاولاً تلطيف مزاجها المُعَكَرْ “انا اعرف هذا العطر الرائع، اليس الف وردة و وردة؟”

التزمت الصمت، فسأل مرة أخرى “ماذا دهاك يا رغدة؟”

انزلت الكوب من يدها بعصبية و صفعة البار براحة يديها، استدارت بغضب قالت”انت جبان، الا تتذكر ماذا فعلت بي في آخر مرة التقينا؟”

تذكر مرقس و ابتسم، ثم قال شارحا “لا تلوميني فزوجتي قطعت زيارتها بسرعة،”

فقاطعته مجادلة “عندما إتًصَلْتَ بي و ترجيتني قمت بالغاء موعد مع زبون مهم لاجلك و من ثم بعد وصولي بيوم ألغيت موعدنا على الهاتف و لم تدفع لي شيئا، لم تأتي لزيارتي حتى،”

قال مسايرا “ارتبكت من قدوم زوجتي، لا تنزعجي مني،”

“حسابي في المرة السالفة مع الحاضرة عشرين ألف دولار، لا تستضعفني فلست من الطبقة الساذجة،”

ضحك مرقس مستهزئا “بدل عطل و ضرر يعني…”

قالت متوعدة “لهجتك معي لا تعجبني، فأنا أعاملك معاملة خاصة و اقدم لك خدمة لن تنجح بتقديمها لك بسهولة أَيًةْ نساء ثانية، و تنتظر إمرأة أخرى غيري؟”

اقتربت منه و نيران الغضب تغلي بعينيها، خَلَعَتْ نعليها بهدوء ثم فكة الحزام و سحبته عن خصرها،

“سأحسن عقابك..أم حزام ليلى لم يعد يعجبك؟”

بدأت بفك ازرار قميصه ثم نزعته عن جسده و رمته بعيدا، تَحَوًلَ مرقس الى طفل صغير بين يديها و بدأت ذكريات معاملة زوجة ابيه الحازمة و حزامها القاصي في طفولته و مراهقته تعود اليه، فَكَمْ مَرًة ذاق من عقابها الألم المُرْ، كمية الألم التي بداخله كانت كبيرة جدا و قد بَرَعَتْ رغدة بتفهم حاجته الجنسية من بين كل النساء التي عاشرها، و ها هي تنجح مثل كل مرة بإيقاظ هذا الألم القاسي الذي بَقِيَه محبوساً بداخله منذ نشأته لسنين طويلة حتى أصبح جزءاً لا يتجزاء من حياته العاطفية، بل أثر على حياته مع النساء،

أضافر قدمي رغدة كانت دائما مزينة بالطلاء الاحمر و كذا اضافر يديها، و كم كان خصرها النحيل مغري بعينيه و خصوصا منظرها و هي تحمل الحزام فكان يشعلان رغبة جنسية مُتَوَحِشَة بداخله، رَكَعَ فجأة عند قدميها و قبلهم طالبا الرحمة، و لكن سرعان ما احس بجلدة حارقة على ظهره العاري، صرخ من الآم بشدة و جلس على الارض ناظراً اليها فوبخته قائلة “هل سمحت لك بِلَمْس جسدي؟”

قال بصوت متألم “انا اسف يا سيدتي انا خادمك الرحمة،”

سارت حوله كالغزال بقوامها الرشيق الطويل و انزلت جلدتان سريعتان قاصيتان على ظهره فاردته يصرخ و يتلوي من الوجع على الارض،

“بدلا من ان تدعوني مَرًة أخرى و تعوض لي خسارتي تتركني و تطلب امرأة ثانية؟”

صرخ بولس باكياً كالطفل من شدة ضربها “ارجوك سامحيني، لن أعيدها ثانية، أه يا جبارة الرحمة…”

نظرت رغدة الى علامات الجلد الحمراء الظاهرة على جسده و أحست انها نجحت بترويضه من جديد، خسارتها كانت عشرة الاف دولار و لكن عرفت كيف تجعله يعود اليها من جديد،

قالت بنبرة حديدية و آمرة “مادُمْتَ تحب الجَلْد من النساء فالتأخذ ما يكفيك مني،” فرفعت الحزام و انزلت على جوانب ساعديه سلسلة جلدات جعلته ينهض عن الارض و هو يفرك ساعديه من الوجع و يبكي، فهرب من امامها الى زاوية الصالة و صراخه يدوي في اليخت “سادفع لك ما تريدين!!!”

جلست رغدة على كنب اليخت و هي تتنهض بسرعة من المجهود الذي بذلته، أَشْعَلَتْ سيجارة و أخذت نفسا عميقا منها، نظرت اليه بابتسامة و هو يبكي من عقابها، فكان ينظر اليها بين الفينة و الاخري و عيونه تشع رغبة لها، حاول ان يسرق حقها و ان يطلب خدمات إمراة أخرى و لكن استغلت نقطة ضعفه و أعطته ما يستحق لكي يبقا هو و نقوده لها، فلماذا ستدع نقوده تذهب الى إمرأة غيرها و هي قادرة على إعطائه ما يريد؟

في قرارة نفسها كانت تعلم أنها ايقظت في داخله ما سيجبرها ان تمضي الليل معه، ايقظت رغبة جنسية متوحشة لن تطفأها الى القبلات الحميمة و ممارست الغرام، لم تكن رغدة لتسلك في طريق الحرام لولا فقر بيت أبيها التي تربت فيه و الجوع الكاسر الذي دفعها لهذا المُرْ، منذ زمن بعيد و في ليلة لم يكن بِهَا قمر منير انقطع الزاد من بيتها و كانت امها و ابوها المريضين جالسين في البيت لا حول لهم ولا قوة، و كانت بِكْر ثلاثة أخوة أطفال لم يتعدا الكبير فيهم الإثني عشرة سنة، و رغم انها كانت في العشرين من العمر خرجت في تلك الليلة و هي ترتدي جلبابها البالي تمشي في شوارع القاهرة تستعطي و تشحد العطف من القاصي و الداني و المارة من البشر، و لكن مرت ساعات لم تنال فيها ألًا ما يكفيها لوجبة خفيفة، و قبل ان تشتري حتى لقمتها من عربية فول حينما أحَسًتْ بالجوع القاسي توقفت عندها سيارة امريكية الصنع فاخرة يقودها رجل، تأمل بها بصورة دقيقة لبرهة من الزمن ثم طلب منها ان تصعد بسيارته، رفضت في بادئ الأمر و لكن مضت بضع دقائق ثانية و هو يترجاها و يؤكد لها بأنه يستطيع مساعدتها، شعرت بالخوف و ترددت كثيرا فلم ترتاح للهجته معها إطلاقا، و لكن فكرة ان تعود الى المنزل و جيبها فارغ اخافتها فمنظر أخوتها و هم يصيحون من الجوع إمْتَحَنَ صبرها و أذلها الى حدود لا تُطَاقْ، أخذت قرارها آخيرا و صعدت بالسيارة و شرحت له ظروفها، فَرَفَضَ ان يعطيها اي مال قبل ان تذهب معه الى منزله، فالبرغم من قدرته على اعطاء الحسنة من غير مقابل إلًا انه فتك بشرفها قبل ان يعطيها ما تحتاج، فكانت ليلة ملعونة قضت بها عليها ظروفها و بطش بها اصحاب المال،

كَذًبَتْ على اهلها و قالت لهم انها وجدت العمل بفندق فاخر لِتُفَسِرْ رجوعها الى المنزل متأخرة في الليل، و ليلة بعد ليلة اصبحت تكسب المال الوفير و اكتفى بيتها من الطعام و أشترت لأهلها الهدايا و اللباس الثمين، فتحسنت صحة امها و اباها و اكملوا اخوتها المدرسة و لكن اقسمت بشرفها الضائع الذي اصبح سلعة رخيصة عند ذوي المادة ان تكسب الكثير كي لا تعود الى ايام الفقر من جديد، و ها هيا في السابعة و الاربعين من العمر و عظام ابويها مدفونة تحت التراب و اخوتها موظفون و متزويجون من فضلها عليهم و ينعمون بالراحة مع عائلتهم، و لكن كانت كبش الفداء لأسرتها و ما زالت تنتقل من زبون الى آخر ليس لانها مُعْوَزَة ماديا و لكن لأن الحياة لم تعلمها مهنة ثانية لكسب لقمتها، فإذا الحياة لم تسامحها و الاغنياء حرموها من يد العون فلماذا ستسامح مليونير مثل مرقس في حقها،

نظرت اليه مبتسمة و قالت بصوت دافئ كما يحب دائما “تعال إلي يا حبيبي، هيا،”

اقترب منها ببطئ فضمته اليها بعطف الأم على ابنها قائلة “في المَرًةِ القادمة عليك احترام المواعيد قليلا، انا احبك فلا تدعني اغضب منك،” وضعت رأسه على صدرها قائلة “هل ستحبك الاخريات كما انا احبك؟”

حنان رغدة عليه كان حلو المذاق بعد عقابها الحاد فلف ذراعيه حولها و توجها الى غرفة النوم في الطابق السفلي من اليخت…

2/Oct/2010السبت، شارع الشيخ ريحان – وزارة الداخلية – مكتب اللواء نرجس الاعرج :

عصف الرعب بنرجس و زلزل كيانها، فكانت مشاهد التلفاز تروي لناظريها ابشع المشاهد بينما كان صراخ الضحية يهز ارجاء مكتبها الكبير، كانت تتجمد الدماء في شراين جسدها مع كل صيحة آه مُلَوًعَة تطلقها الضحية المسكينة و الاسود تقطع و تطحن لحم جسدها اربا صغيرة بلا رحمة، لم ترى بتاريخ حياتها الحافل بالانجازات لدولتها وحشية بهذه الصورة إطلاقا، ما العقلية المريضة التي صَوًرَتْ هذه الاحداث و أرسلتها بكل جرئة وقحة الي مكتب وزيرة و لواء بالجيش؟ نظرت الى مدير مكتبها رِفْعَتْ سعيد و سألت بإستياء “ماذا قالت الرسالة؟”

اجابها و الدموع في عينيه “مع حبي و تقديري لعملائكم السيريين.”

لم تستطع نرجس السيطرة على اعصابها فانهمرت الدموع من عينيها و صرخت “رفعت من كانت هذه المسكينة!!!”

فاجاب برهبة من غضب الوزيرة “النقيب ليلى الصعيدي،”

ضربة المكتب بيدها بغضب و صرخت به “انا لا اشحد منك المعلومات اعطيني ملفها بالكامل!!!”

خرج احمد لبرهة من الزمن ثم عاد و معه الملف، قام بوضعه على مكتبها و انتظر الاوامر بهدوء، رجفت يدا ليلى من التوتر حينما فتحت الملف و رأت صورتها، كانت هي…فملفها قطع الشك باليقين، و ما يُفْهَمْ من الشريط هو التهديد، فهذه اللغة تفهمها جيدا و لن يفهمها الا الضباط في المناصب الرفيعة مثلها،

احست فجأة بدوار شديد في رأسها و بإجهاد كبير، أمرت رفعت “اتركني الان لو سمحت”، و ما ان خرج حتى امسكت بسلة المهملات و استفرغت كل ما في معدتها، كانت المواد الحارقة تتدفق في حلقها بلا رحمة و تخرج من فمها كالشلالات حتى انهكت قواها، فمنظر لحم ليلى المغموس مع دمائها في فم الاسود ارهق صبرها و قدرة تحملها،

“يا اولاد الكلب!!!” صرخت افكارها و هي تجفف فمها بمحرمة معطرة، “تريدون ارهاب جهاز الامن يا كلاب يا حثالة المحترمين!!!” عرفت جيدا ان مرسل الشريط كان يمارس وسيلة ضغط عصبي على اجهزة امن الدولة و على مكتبها، كان يريد تركيع الارادة في داخل كل شرطي و عميل يتبع اثره و اثر عملياته، فها هو يقول انني لا اهاب عملائكم، “أه يا رؤوف الخائن انت تعرف ان امرك انكشف و لكن ما سر غطرستك و ثقتك الزائدة بنفسك،” أعصابها الثائرة دفعت يداها لتمسك الهاتف و ابتدأت بضرب رقم الهاتف النقال لمدير مباحث امن الدولة و لكنها تنبهت في آخر لحظة الى أمر مهم، فأغلقت السماعة قبل ان تكمل الرقم، ماذا ستقول له؟ “ماذا سأشرح له؟”

نظرت الى الساعة فكانت الثانية عشر ظهرا، نهضت من على مكتبها و غادرت غرفة المكتب مسرعة الى المصعد الالكتروني في طابقها، و ما احست بنفسها الا و هي تدير محرك سيارتها وتسير بين السيارات المسرعة في الطريق، كانت تائهة في الشوارع بلا هدف…كالسفينة المبحرة في عرض البحر بلا بوصلة، تدير سيارتها يمنتا و يسارا في الطرق بدون وعي او تفكير، فَصُوَرْ الوحوش و هي تغرز انيابها في جسد ليلى كانت تتماثل امام عيونها بلا رحمة و تشحن ضميرها ليعذبها…ليجلدها، و صراخها و استغاثاتها التي كانت ما تزال تصرخ في اذنيها لم تكن ترحمها بل كانت تكويها من دون سفقة،

ضربة المقود بيديها و صرخت باعلى صوتها “سامحيني يا ليلى فأنا اعلم ان روحك تسمعني!!! أنا السبب!!! لم أقصد سامحيني أرجوك!!! لم أكن أعلم شيئ عن نواياه القذرة!!!” وما انهت هذه الجملة الا و كنيسة من الكنائس على مقروبة منها،

*****

ركنت نرجس سيارتها الفاخرة في مصف كنيسة السيدة العذراء في منطقة الزيتون، و نظرت الى مدخلها الرحب، كانت الشوراع من حولها تعج بالسيارات و حركة المشاة ما عدى حرم الكنيسة الضخم فكان هادئا جدا، نزلت من السيارة لتلاحظ بعض عيون المارة تراقبها، و لكن لم تأبه لها فكان همها الوحيد الدخول الى الكنيسة و الصلاة لعل نفسها المضطربة تهدء قليلا، وجدت الباب مفتوحا على مصرعيه و المكان فارغ من البشر، ولكن سَمِعَتْ و هي تدخل أصداءا اصوات بعيدة لم تكن مسموعة وهي في خارج المبنى، رسمت اشارة الصليب على وجهها و تلفتت باحثتا عن مصدر الاصوات فقالت في سرها “الحمدلله هنالك ناس،” كانت الأصداء عبارة عن تمتمات خفيفة آتية من كرسي الاعتراف في الزاوية الخلفية لصحن الكنيسة، فاقتربت قليلاً من صفاً من صفوف المقاعد الخشبية بجانب الكرسي و ركعت ناظرة الى صُوَرْ العذراء و المسيح المعلقة على الإكونستاس في مقدمة الكنيسة، صَلًتْ في سرها “يا رب، ليس شيئا عصيا امام قدرتك الرهيبة، فها انا ماثلة امامك طالبتاً منك المغفرة و الرحمة،” عادت الدموع الى عينيها فبكت بكاء مريرا و دوت في الكنيسة تنهداتها و شهقات بكائها،

ودع الاب جرجس الاخ الذي كان برفقته و نظر بإستغراب الى ضيفته الجديدة سائلا ذاته “ما الذي اتى بمعاليها الى الكنيسة يا ترى؟ و من دون حراسة؟” كانت نرجس ابنة رعيته و كان من أول المهنئين لها حين اتتها ثقة رئيس الوزراء الغالية بتعينها بمنصب وزير للداخلية، فكان يعلم انها تتمتع بشخصية قوية و حب صادق لبلادها و كانت تملك ايمان قوي بالله، فلم تقطع فرض او صلاة بالكنيسة على الاطلاق طوال حياتها، كان دائما يقول لها ان خِصَالُكِ الممتازة كنوز و ستوصلك الى منصب ممتاز في يوم من الايام، و شكه سرعان ما تحقق بثقة الدولة التي أتتها منذ فترة، و لكن تبين له ان مجيئها اليوم كان يخيم عليه حزن شديد، بعد ثوان من الاستغراب و التأمل بها جذبته دموعها نحوها فركع بجانبها و نظر لها بحنو، ردد المزمور الخمسين لداود النبي “ارحمني يا الله بعظيم رحمتك و بكثرة رأفتك امح مآثمي.” فقاطعته قائلة “يا ابونا اغفرلي بما لديك من سلطان من الرب يسوع.”

فرد بهدوء مطمئناً “ليست هنالك خطيئة لا يستطيع الرب مغفرتها، و لكن الدور المهم علينا هو ان نرفض ارتكاب المعاصي،”

“و لكن يا أبونا انا السبب المباشر بقتل زميلتي بالمهنة،”

نظر الاب جرجس الى نرجس بصدمة شديدة، اعترافها ربط لسانه و شل تفكيره لبرهة من الزمن، كاكاهن يافع ذو ثلاثين سنة من العمر كان يعلم رأي الاباء المتقدمين في صفوف الخدمة و الذي يحثون على ابلاغ الشرطة بهذه الامور، و لكن صوت نرجس كان مليئا بالندم و التوبة، فقال لها طالباً من الله الحكمة في سره “اريدك يا معالي الوزيرة ان تُسَلِمي كل تعبك الى المسيح له المجد و تقولي لي ما الذي حدث،”

انطلق من نرجس تنهد عميق و قالت “اتصل بي منذ يومين ضابط متقاعد كان زميلي في يوم من الايام في الخدمة العسكرية، و قال لي انه بحاجة لمعرفة هوية صاحبة بصمات مُعَيًنَة كانت لديه، فالبصدفة كانت على مكتبي سيرة ذاتية لابنة احد اقاربي كان قد طلب مني اباها ان اساعدها في اكثر من مناسبة و بالحاح لايجاد وظيفة لها بشركة خاصة، فطلبت من الضابط بالمقابل كونه مالك شركة استيراد و تصدير ان يوظفها، فلذلك لم اعارض طلبه لي و قمت بكل اهمال و عدم مبالاة متعمدة بمهاتفت صغيرة لتسهيل طلبه و إعطائه معلومات عن البصمات التي كان يسأل عنها،”

صمتت قليلا و بكت بشدة ثم بعد برهة أكملت “اتضح لي بعد ذلك بصورة مفجعة ان صاحبة البصمات كانت تعمل كعميلة سرية لكشف عصابة تتاجر بممنوعات كثيرة و اكتشف امرها و قتلت بوحشية من قبل المافيا” صفعت الكرسي الخشبي امامها و غصة بآلآم الندم قائلة “انا قاتلة يا ابتي، ماذا عساي ان افعل؟”

اجابها الكاهن بتبكيت هادئ “لا شك انك باهمالك ارتكبت عملا كانت عواقبه مدمرة، من غير ان تعلمي أسْلَمْتِ ذاتك الى خدمة الشيطان،” نظرت نرجس اليه بخوف لبرهة، كانت صورته تتراقص خلف الدموع في عينيها وهو يقول “كان يجب ان تحرصي على اتمام ارادة الله في عملك و اعطاء ضميرك المهني الاولية في عملك بدلا من مصالحك الشخصية، انت وزيرة يا اختي و مصالح بلد كامل ملقاة على كتفيك، فالبرغم من سمعتك الطيبة التي وصلت مسامعها الى ربوع مصر باكملها الا انك مثل بقية البشر خاطئة و يعوزك مثلهم مجد الله، ليست هنالك عند الله خطيئة كبيرة و صغيرة فالخاطئ خاطئ ما لم يردعه ايمانه و ضميره للعزوف عن الخطيئة، الكنيسة هنا جزء لا يتجزء من ملكوت الله و لن يدين اهمالك و خطئك احد هنا سوى الله، يجب ان تصلي كثيرا و انا سأصلي لك كثيرا، و لكن مسؤلية الموقف تفرض علي ان انصحك لكي تسلمي ذاتك الى المسؤلين لكي يتجلى العدل في هذه القضية، فالرب يقول في الانجيل لا تخافوا من الذي له سلطان على الجسد بل خافوا من الذي له سلطان على الروح و الجسد، و لكن انا على يقين ان الله سيجاوب دموع الندم و صلاتك و يلهمك الى ما يجب ان تفعلي و تصلحي به خطئك،”

نهض الاب جرجس و ساعدها على النهوض متمما حديثه “الله جل جلاله و حاشاه ليس اعمى او اطرش، بل يعرف بمكنونات انفس كل البشر، سأسلك سؤالا و جاويبي عليه بمصداقية لاجلك انت و خلاص نفسك لا لأجلي، لو علمت ان هذه العميلة ستقتل…”

فردت نرجس بحزم و هي تجفف دموعها بمنديل “صدقني لكنت عارضت طلبه بكل تأكيد واسلمته الى الشرطة،”

“ممتاز فاذ و نحن بشر خاطئين نعلم كيف نتصرف بتعقل فكيف سيكون قضاء الله الذي يتجلى به قمة الكمال صبحانه و تعالى، فالرب يدرك نوايانا الخفية ايضا، المسيح قلبه اكبر مما تتخيلي فالذي غفر خطايا المرضى و شفاهم و الذي قَبِلَ توبة الزانية و الذي غفر لصالبوه و جالدوه و الذي اصقاه الخل المر بدل الماء على الصليب و الذي طعنه بالحربة المريرة ايضا، و هو التي لم تمنعه آلآمه من الاصغاء و قبول توبت اللص و هو يلتقط انفاسه الاخيرة على الصليب بجانبه، هذا الاله الذي اشبعنا حبا و عطفا هل سيرفض توبتك و دموعك الصادقة؟”

غادر الاب جرجس الكنيسة تاركا في داخل نرجس وميض من الامل و الراحة، أحست ان كلامه اقام روحها من الموت و وادي الندم المرير، سارت في الممر في منتصف الكنيسة المؤدي الى الهيكل و أقتربة من صورة الصليب المعلقة على الإكونستاس، قبلتها و صلت في داخلها “يا رب انا بغلطتي أحقر من اللص الذي غفرت له خطاياه على الصليب فاغفرلي يا رب و سأعدك و انا في هذه الكنيسة امام مذبحك المقدس ان اسلم نفسي الى الى مدرائي و اعترف بغلطتي امامهم،”

غادرت الكنيسة فإلتقت بأحمد فهمي مرافقها الامني مع اثنين من معاونيه مسرعا نحوها و صارخا في وجهها “كيف يا معالي الوزيرة تخرجين من دون حراسة!!! هذا خطر على حياتك و لا يجوز!!!”

فقالت له “حصل كل خير، اريد الذهاب الى رئاسة الوزراء،” نظرت الى السماء و هي تسير بين الحراس بإتجاه سيارتها و ترقبت الغيوم السوداء و هي تتحرك بجلد السماء و تحجب أشعة الشمس، إنقبض قلبها من المنظر و تذكرت نشرت أحوال الطقس جيدا التي سمعتها في هذا الصباح، فلم يقول الراصد الجوي ان الطقس سيكون غائم بل قال أنه سيكون مشمس ليومين…سألت ذاتها “ماذا يجري يا ترى؟”،…يتبع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.