شهر الغيْب والعشق
نيسان غواية الأرض. تلهّى به أبناء المنطقة عشاقاً تحت سمائه الصافية في موسم الحصاد، واختاروه بداية العام في حضاراتهم القديمة، وهو ما لم يُعجب قيصر الرومان، فربما لم يحتمل فيه اضطراباته العاطفية، وابتدع تقويمه الخاص، مطلقاً اسمه على أحد شهور السنة.
الإلهة “ننليل” حبلت بـ”القمر” في هذا الشهر، فآمن بها الأكاديون والعموريون في العراق وسورية، وعلى هديها انتظروا حلول “الأربعاء الحمراء” كل عامٍ ليخصبوا أراضيهم ونسائهم، ويقيموا أعيادهم فيه إثني عشر يوماً.
ويًسلم المُلْك الى أحد المجانين في اليوم الحادي عشر، ويُعطى الصولجان ليحكم كما يشاء وينشر الفوضى، حتى يعود الملك الأصلي في اليوم التالي ويعمّ الهدوء والاستقرار، وتًقدّم الرعية الولاء والطاعة له.
راقَ لأجدادنا أن يصوّروا العالم بيضوياً لا كروياً على جدران معابدهم في إشارة للولادة، ومنذ رسْم تلك البيضة امتزج الحب بالمقدس، والبشري بالإلهي، والحياة بالغيب في أرض لم تملّ اختراع المعجزات والأولياء وكراماتهم في طقوس نيسانية.
“كرامات” لا تموت في قلب صبية في الموصل أو الشام تكشف عن رأسها ليمسّه رذاد مطر نيسان فيُحيل شعرها غزيراً، وتقرأ شقيقتها عليه القرآن في جبل عامل أو سهل حوران، متمنية أن يطرق بابها عريس عما قريب وبيده باقة دحنون، أو يستشفي به عليلون من أمراضهم.
وبالطبع؛ لا يغيب عن المؤرخين تنازع الانتصارات بين العبرانيين وبقية شعوب المنطقة، فيوثقون السبي البابلي لبني إسرائيل في نيسان، في القرن السادس قبل الميلاد، على يد نبوخذ نصر، بينما يحتفل اليهود بنجاح غزواتهم وتأسيس مملكتهم في الشهر ذاته، الذي شهِد – بزعمهم- تحررهم من العبودية في مصر الفرعونية كذلك.
“توافق” على بدء الخلق ونسج الطقوس والأعياد الدينية والاحتفاء بالحب في شهر “السعادة”، كما سمّاه الأشوريون، و”اختلاف” على البلاد وحكْمها بين قبائل عاشت على الزراعة والتجارة، وأخرى فضّلت الصيرفة، وانشغلت بنسْج الدسائس، فلم تُخلّف وراءها أثراً يشهد على ملكْها.
وهناك في الغرب، لم يبتعد نيسانهم كثيراً، فـ”April” تعني التفتح في اللاتينية، واستعاروا من شرقنا عيده الأبرز؛ الفصح المجيد، واختلقوا في بدايته كذبة احتفالاً بالسنة الجديدة قبل أن يحظى كانون الثاني لديهم ببهجة افتتاح العام.
“بهجة” تغمرني وحبات المطر تطلّ على الشباك وتوشوشني: “بكرا بيجي نيسان يسألنا، وبيرش ورده ع منازلنا، منخبره شو صار.. منسمعه الأشعار، يللي كنت فيها تغازلنا”.

