تقرير الخصخصة : الإشاعات حقائق
اولاً تستحق لجنة تقييم الخصخصة الشكر على العمل الكبير الذي أنجزته في تقريرها الذي تضعه بين يدي الراي العام الاردني من اعلام ونواب وأحزاب ومؤسسات وقطاعات . انه إنجاز يستحق التمسك به وقراءته خاصة من النواب الذين يفترض انهم يقرأون ويتابعون من اجل ان يقوموا بمهمتهم الاساسية التي لم يعطهم الدستور غيرها ولا اهم منها وهي المساءلة والمراقبة .
وابدأ بملاحظة نقدية تتعلق باستخدام رئيس اللجنة الدكتور عمر الرزاز لإصطلاحات مثل ” ممارسة غير فضلى ” ولا يعد من السبل المثلى ” عند وصفه لقرارات وسياسات في الخصخصة تعتبر بكل المقاييس كارثية على الوطن والاقتصاد والناس ، اعرف ان اخلاق الدكتور بحكم تحصيله الأكاديمي وتربيته تنأى به عن استخدام الاصطلاحات التي يستخدمها أهل السياسة والأحزاب الا أني اجد ان هذه الاصطلاحات لا تتناسب مع ما وصل اليه التقرير من نتائج خطيرة ، واذا كانت هذه النتائج توضح الحقائق بشكلها الصحيح بعيدا عن الشائعات كما يقول الرزاز الا انها في الحقيقة أعطت المصداقية للكثير من الشائعات التي تداولها الأردنيون ولا يزالون منذ بدء سياسات الخصخصة .
اما ملاحظاتي الاخرى عن التقرير هي ١- اتفق مع التعريف القائل بان الخصخصة غاية وهدف اقتصادي ، وبالتالي لا عيب ولا خطأ في انتهاجها لتحقيق التنمية والنمو وجذب الاستثمارات الخارجية خاصة وان الاردن ينتهج النظام الرأسمالي ، لكن الخطأ كان في السياسات والقرارات والآليات التي اتبعت في إدارة عمليات خصخصة شركات البلاد الرئيسية التي تعتبر نفط
الاردن ، اخطاء يستحق مرتكبوها المساءلة والعقاب ( انها ليست اجتهادات كما يروج شهود الزور ) خاصة اذا نجمت هذه الأخطاء عن تجاوز على الدستور وتجاوز للصلاحيات وأدت الى الأضرار بمصادر الثروة الوطنية .
٢- قد لا يكون من مهمة اللجنة الإشارة الى جانب اساسي في نظرية الخصخصة (كنهج اقتصادي ) وهو شرط ارتباطها بإصلاحات سياسية تتعلق بقانون الانتخابات ونزاهتها لتعزيز السلطة التشريعية واستقلاليتها في المساءلة والمراقبة الفاعلة التي تجعل عمليات الخصخصة ناجحة تعمل في بيئة صحية تحكمها النزاهة والشفافية . على العكس من ذلك وقعت الخصخصة في البلد ضحية سياسات تجريب وارتجال بعيدا عن الاطر التنفيذية والتشريعية التي تتابع وتحاسب وتراقب . وعندما يقول التقرير بان عملية خصخصة ” الفوسفات ” تمت بقانون مؤقت وكان يجب ان تمر بمجلس النواب وان برنامج التحول الاقتصادي أنفق ٢٠٠ مليون وان الحكومة خالفت شروط الإنفاق عندما لم تضع هذه الأموال في الموازنة ، فان هذا يكشف مدى غياب الاصلاح السياسي وغياب مؤسسة البرلمان . فمنذ بداية العمليات الكبرى بالخصخصة غاب مجلس النواب عامين كاملين ، كما تمت اكبر عملية تزوير في انتخابات عام ٢٠٠٧ اي ان احد اهم الأسباب بوقوع الأخطاء الكارثية في الاقتصاد الوطني ليس الخصخصة كنهج انما غياب وجود مؤسسات ديموقراطية حقيقية تحاسب وتشرع وتشرف وتتابع عملياتها .
وملاحظاتي الاخرى خارج التقرير اولا : الخشية ان يضيع جهد هذه اللجنة بحيث يستخدم تقريرها لإصدار صكوك البراءة لمن ارتكب الأخطاء الكارثية فمنذ يومين ازداد صفوف شهود الزور الذين يقللون من قيمة الخلاصات التي جاء بها التقرير التي تفرض إعادة فتح ملفات سبق وان نجح الفاسدون في تغييبها في الأدراج او إغلاقها او تحويلها الى قضايا جانبية هامشية تغطي على الفساد الأكبر .
ثانيا : تحتاج الحقائق والوقائع التي كشفها التقرير الى لجنة اخرى مهمتها البحث في ما وصف بالتجاوزات ” والممارسات غير الفضلى ” الواردة فيه لمعرفة موقعها من تعريف ( الفساد المالي والإداري ) وتصنيفه بالمقاييس العالمية الموضوعة في هذا الباب. واقترح ان يرأس اللجنة الدكتور محي الدين توق ، هذا الاردني الأصيل الذي يتم تجاهله وتجاهل دوره الأممي الكبير في الامم المتحدة من اجل الشفافية العالمية ومحاربة الفساد ، حيث أصدرت الامم المتحدة اخيراً طابعا حمل صورته مثله مثل كوفي أنان ، ومع ذلك لم يجد هذا الحدث مكاناً له في الاعلام ولا في لجنة الشفافية العتيدة .

