قراءة في الواقع العربي الراهن
بات واضحا ان جملة من المتغيرات الهامة قد فرضت نفسها على ما عرف بالنظام العالمي الجديد؛ ونظام القطب الواحد؛ واستراتيجياته وخططه وبرامجه؛ وكذا على ما شهدته المنطقة العربية من أحداث وتطورات تاريخية باسم الربيع العربي ونتائجه.
لقد كشفت نتائج الثورات والانتفاضات العربية التي رفعت شعارات الديمقراطية والمشاركة واسقاط الاستبداد والتفرد والفساد.. جملة من الحقائق.
الأولى ان السياسات الاقتصادية والسياسية التي تبنتها الأنظمة؛ خلقت واقعا من المعاناة وحالة من الغضب والاحتقان الشعبي القابل للانفجار والمستعد لمواجهة كل ادوات القمع وتقديم التضحيات (ما عرف بكسر حاجز الخوف).
والحقيقة الثانية غياب وجود قوى ذات برامج ديمقراطية وواقعية، وضعف القوى السياسية بعد انهيار منظومة حركة التحرر وايديولوجياتها وبرامجها وسقوط أنظمتها وتجاربها السياسية..
والحقيقة الثالثة ان الاسلام السياسي بات القوة المنظمة الوحيدة المؤهلة لحصاد نتائج الانتفاضات والثورات العربية.. وانه أي الاسلام السياسي في بلادنا لا يزال فكرا اصوليا شموليا غير مؤهل لقيادة دولة عصرية ديمقراطية؛ بل ان الكثير من مكوناته يمكن ان تفرز وتتحول الى فكر تكفيري مذهبي يمارس العنف والارهاب.
والحقيقة الرابعة ان ما سمى بالربيع العربي كان جزءاً من البرامج والمخططات الدولية ونظامها العالمي الجديد من خلال التطبيق العملي لما سمي بـ(الفوضى الخلاقة) بهدف فرض اشكال جديدة من الدول والمجتمعات؛ وخلق ما اطلق عليه وتقسيمها الى عصبيات طائفية ومذهبية وعرقية تحكمها معادلات الصراع والمحاصصة..
والحقيقة الخامسة والهامة ان الدولة الديمقراطية ونظامها السياسي ومجتمعها المدني؛ هي محصلة تطور حضاري اقتصادي واجتماعي ثقافي سياسي شامل.. يحتاج الى برامج وادوات والى نضال متواصل لانجاز عملية بناء تراكمي وتغير حقيقي وعميق في مجتمعاتنا ودولنا؛ وليس مجرد شعار او قرار سياسي.
صحيح ان ما سمي بالربيع العربي اسقط بعض الانظمة الاستبدادية والفاسدة؛ ولكنه ادى كذلك الى تدمير انجازات قرن من عملية بناء الدولة والمؤسسات وبناء وحدة المجتمعات وشخصيتها الوطنية؛ وخلق حالة من ثقافة العنف غير المسبوقة وقوى ظلامية متخلفة تمارس هذا العنف داخل المجتمع لم نشهدها من قبل، وادى الى حالة تفكك وضعف عربي يكاد يعيدنا الى ما قبل عهد الاستقلال.
لقد فوجئت بهذه الحالة وبحجم نمو القوى الاصولية، حتى تلك القوى الدولية ومخططاتها وحلفائها، والتي دعمت تلك الثورات وتحالفات مع القوى الاسلامية ودعمتها بحكم تفردها بقيادة الشارع العربي واعتقادا من القوى الدولية واجهزة استخباراتها ومراكز دراساتها بان هذا التحالف سيحقق مجموعة اهداف وضعتها وفي المقدمة منها مواجهة العنف الاصولي الذي فشلت في التعامل معه وتنامي في العديد من المناطق.. غير مدركة لخصوصية الاسلام عند العرب، ولا للسياق التاريخي لتطور الاسلام السياسي في الوطن العربي وتوقف حركة الاصلاح الديني منذ بداية القرن الماضي على اثر انكشاف معاهدة سايكس بيكو وقيام الثورة البلشفية في روسيا وتحول الحركة الشعبية العربية نحو ايديولوجيات وخيارات حركة التحرر العالمي التي طرحت الحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية، ولكنها تبنت ايضا نظام الحزب الواحد والنظام الشمولي في طروحاتها ونماذجها في الحكم فأوقفت تطور التجارب البرلمانية والديمقراطية التعددية، بما في ذلك حركة الاصلاح الديني..
وفي نفس الوقت فان احداث الوطن العربي وما شهدته من تدخلات سياسية وعسكرية اجنبية، اعادت الى المنطقة حالة من الهيمنة واقتسام النفوذ من قبل الولايات المتحدة وحلفائها اسهمت في تسريع وتقوية نهوض حالة مواجهة جدية من قبل دول كبرى دفاعاً عن مصالحها وبقايا مناطق نفوذها، ومقاومة للتفرد الذي اوجده النظام العالمي الجديد.
ووجدت في سوريا ساحة المواجهة المباشرة في هذا الصراع، وبدأت تتضح ملامح معادلة جديدة للعلاقات الدولية تمثلت في المحور الروسي الصيني وان لم تظهر هذه الاخيرة في مواجهة هذا الصراع، وتشكل تحالف يضم في المنطقة سوريا وايران وحزب الله.. الامر الذي خلق نوعاً من الحرب الباردة الجديدة على ارضية صراعات وتفاهمات حول معظم ان لم تكن كافة قضايا الصراع في العالم.
لقد دفعت النتائج التي افرزتها احداث المنطقة الولايات المتحدة الاميركية وحلفائها الى مراجعة مخططاتهم وبرامجهم وتحالفاتهم، فتوقف التحالف مع الاسلام السياسي العربي واخذت المخاوف من نمو القوى والعنف الاصولي التكفيري في سوريا والمنطقة تحتل اولوية جعلت من طرح الحلول السياسية حالة ممكنة.
وبات الحوار مع ايران والتفاهم حول برنامجها النووي واستيعابه وتخفيف اندفاعها في عملية الصراع هدفاً سعت الولايات المتحدة لتحقيقه.
وفي سياق ذلك كله، فقد كشفت السنوات الثلاث الماضية مدى ضعف وهشاشة وتخلف الواقع العربي الرسمي والشعبي، ومدى نفوذ وهيمنة القوى الدولية وسياساتها في المنطقة.
لقد وجهت نتائج ما سمي بالربيع العربي ضربة قاصمة لبقايا النظام العربي ومشروعه التضامني والقومي الذي تمكن سابقاً في رأينا من الصمود واحتواء الازمات حتى في مراحل الانتكاسات، ورغم كل الخلافات التي عصفت بدوله، كما حدث بعد غزو العراق، وفرض التسوية السياسية في الصراع العربي الاسرائيلي، وكلنا نذكر مثلاً فشل محاولات فرض وصناعة النظام الشرق اوسطي بديلاً عن النظام العربي.
لقد تم زج اطراف النظام العربي في معادلات الصراع والاقتتال والعنف والتدمير الطائفي والمذهبي وباتت الخلافات العربية اساس دعم وتمويل وتدريب قوى العنف والاقتتال والتدمير والتفكك.
والاخطر من كل ذلك تدمير وحدة المجتمعات الوطنية العربية وتشتيتها وجرها الى الحروب الاهلية وحروب الطوائف وامرائها.
لا احد يستطيع ان يجادل بأن المستفيد الاول مما يحدث للعرب ودولهم ومجتمعاتهم ومنجزاتها هو اسرائيل والقوى الاستعمارية وبالتأكيد القوى الاقليمية، وبات العرب حالة هامشية ومفككة ومستنزفة، وبؤرة للصراعات والاقتتال والعنف، وضعفت دولهم ومؤسساتهم ومجتمعاتهم وذهبت ثرواتهم الى محرقة الفتن والحروب الاهلية بدل التنمية والبناء والتقدم. ولم يعد لهم وزن يذكر ليس في الساحة الدولية فقط بل وحتى في الساحة الاقليمية.
والسؤال الاهم هل من سبيل الى مواجهة هذه التحديات
في رأينا ان لا سبيل الى ذلك اذا بقيت الانظمة العربية تتعامل مع هذه المرحلة كجزء من معادلات الصراع وتستمر في دعم وتسليح التنظيمات التي تمارس العنف وتطرح النموذج الطائفي والديني والتفكيري للمجتمعات والدولة من جهة, واذا بقيت تتمسك بالنظام الشمولي وكبت الحريات والتفرد ورفض التعددية والمشاركة من جهة اخرى.
ولا سبيل اذا بقيت القوى السياسية الديمقراطية والتقدمية والوطنية تعتقد ان مشروع التقدم والتغير الوطني والعربي يأتي بمجرد رفض وتغير البنى القائمة التشريعية والتنظيمية للدولة.. ولا تقرأ جيداً واقع المجتمعات ودرجة تطورها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي..
ولم تأخذ بطريق التغير التدريجي والتراكمي والسلمي الشامل, واعادة قراءة واقعها وحجمها وقدراتها, وفرزت وفرقت جيداً بين القوى الوطنية وقوى التبعية, وادركت ان الدولة والانظمة وان اختلفت معها, هي كما القوى السياسية والمجتمعية تجمع وتضم داخلها كل تلك الخيارات..
ان حجر الرحى في هذه المرحلة يستند الى ثلاث قضايا اساسية, يشكل تعديل المسارات والمعادلات التي وصلت اليها, السبيل الذي يمكن العرب من تجاوز هذه النكبة وبالتالي من منع تنفيذ مخططاتها بما في ذلك تصفية القضية الفلسطينية.
الاولى: بذل كل الجهود لطرح وتنفيذ حلول سياسية في سوريا وبالضرورة في العراق ولبنان بمنع ومحاربة العنف وتنظيماته ووقف دعمها وتمويلها واعطاء دور اساسي للقوى المدنية والديمقراطية (العلمانية) وخاصة المكون السني في تلك الدول.
والثانية مراجعة النهج السياسي والاعلامي في مصر الذي يسهم بوعي أو بغير وعي في الدفع باتجاه ايجاد حالة صراع وعنف سيولد بالضرورة اشكالا جديدة من التنظيمات الدينية التي تمارس العنف، تعطل وتوقف امكانية نهوض مصر وتقدمها لتعود لدورها العربي المحوري.
والثالثة ان يعيد الخليج تقييم دوره الذي كان يتصف دائماً بالحكمة والوسطية في الخلافات العربية وان يستخدم امكاناته وقوته المالية في تمكين العرب من الخروج من محنتهم الراهنة.
ان الهدف وعنوان السياسات العربية الرسمية والشعبية في هذه المرحلة يجب ان يعود الى اعادة بناء التضامن العربي، ووحدة المجتمعات الوطنية العربية، ومحاربة الطائفية والمذهبية والتكفيرية والشمولية والعنف والتطرف.
انها مهمات صعبة ولكنها الطريق الوحيد لوقف حالة التمزق والتفكك والدخول في عصر انحطاط جديد.
الرأي

