خطة تنموية للاقتصاد
لم تأخذ الحكومة بأية نصائح كانت تدعوها إلى إعداد برنامج اقتصادي وطني، يحدد الأهداف التي تتطلع إلى تحقيقها المملكة خلال فترة زمنية محددة، وتكون مرتبطة بإجراءات وسياسات لتحقيق تلك الغايات.
الحكومة كانت تصر على الاكتفاء باتفاقها مع صندوق النقد الدولي الذي يمنحها ملياري دولار في ثلاث سنوات وفق شروط متعددة أبرزها رفع أسعار الكهرباء، وتصف الحكومة هذا الاتفاق حسب تصريحات الرئيس ووزير ماليته بأنه برنامج اقتصادي وطني.
اليوم يوجه الملك الحكومة بإعداد خطة تنموية لعشر سنوات تحدد شكل الاقتصاد الذي يجب أن تصل إليه المملكة بعد تلك الفترة، وأن لا يترك الاقتصاد إلى أسلوب الفزعة في إدارته، ويبقى تحت اجتهادات المسؤولين الذي ثبت قصر رؤيتهم التنموية، بدليل اضطراب تحقيق المؤشرات المالية لعام واحد وهي الموازنة التي شاهد الكل الفجوة الحقيقية بين ما تم تقديره وبين ما تحقق فعلا.
للأسف لم تعط أية حكومة مسألة إعداد خطة تنموية الأولوية في أعمالها بعد انتهاء العمل ببرنامج التصحيح مع صندوق النقد الدولي التي كانت ملزمة وتراقب الحكومات في تنفيذها من المجتمع الدولي، فبمجرد ان تخرجنا منها في سنة 2003، بدأ الاقتصاد يسير وفق مزاجية الحكومة باشراف ومشاركة مجلس النواب، السلطة الغائبة عن رقابة الاقتصاد.
دعوة جلالة الملك للحكومة لإعداد خطة تنموية تأتي إدراكا لجسامة التحديات والتقلبات التي تعصف بالاقتصاد الوطني والتي تفرض على الجهات الدستورية الحزم في تحقيق الاهداف وإزالة المعيقات التي تحول دون تحقيق النمو المستدام.
فالحكومات تنفق المليارات وتستقطب استثمارت بقيمة تزيد عن المليار دولار سنويا دون أن يكون هناك مردود تنموي على المستوى الوطني، فالاقتصاد في شقه العام لا يستطيع أن يخلق فرص عمل بأكثر من خمسة آلاف وظيفة معظمها بالقوات المسلحة والتربية والصحة، في حين ان أعداد الخريجين تزيد عن 88 الف خريج، ما يدل على عشوائية الانفاق والاستثمار الذي تحقق.
أما الحكومة فكأنها عمياء، فلا تريد أن تسمع من ينتقد أدائها الاقتصادي، وتكذب على نفسها بأنها استطاعت ان تنجي الاقتصاد من أزمة خانقة، والكل يعلم أنه لولا المساعدات التي تدفقت إلى المملكة العام الماضي والتي تجاوزت الـ3.4 مليار دولار لكان الاقتصاد في خبر كان، حتى النمو الاقتصادي الضئيل الذي تحقق العام الماضي بنسبة 3 في المئة كان بفضل الانفاق غير العادي على السوريين والذي حرك عجلة الاقتصاد الوطني.
إعداد خطة تنموية يعني أن تتجاوز الحكومة في خططها وإجراءاتها مسألة انقطاع الغاز والازمة السورية، وان تضع بحساباتها تداعيات تلك الازمات، لا ان تنتظر نتائجها في كل فترة، الأمر الذي يبعثر حساباتها وسياساتها.
لا يمكن لاي اقتصاد ان يسير ويصل الى النقطة التنموية التي تحقق الامن المعيشي لمواطنينه دون ان يكون هناك خطة واضحة المعالم يتم إقرارها من كافة الجهات الدستورية وتكون ملزمة لجميعهم، ولا تستطيع اي جهة التنصل منها، وحينها سيكون قانون الموازنة في خدمة الخطة التنموية لا ضدها.

