مدينة الله
يطلقون النار تعبيراً عن ابتهاجهم أو غضبهم، فتسقط دجاجة عابرة سرعان ما ينهشها كلبٌ ضال، أو يسطو هؤلاء الفتية على المتاجر ويمارسون القتل، فقط، ليبقوا على قيد الحياة في ضاحية قرب مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، وحين يستريحون يشتعل الاقتتال فيما بينهم.
لا يستسلم المخرج فرناندو ميراليس لمخيلته في سبيل اختراع فيلمه “مدينة الله”، ولا يلزمه أن يُحمّل أبطاله شعارات أيديولوجية وغيبية لإراقة الدماء، إنما يكفيه أن ينقل واقع إحدى عشوائيات بلاده التي تأسست لاحتضان اللاجئين والمشردين من أمكنة ابتلعتها الفيضانات والحرائق المتعمدة.
سكَن هؤلاء المفقرين، منذ ستينيات القرن الفائت، مدينتهم المهمشة التي لا تعترف بهم إلاّ رجال شرطة أو خارجين على القانون من خلال الاتجار بالمخدرات والسلْب داخل مجتمع بدائيٍ ومنغلقٍ على نفسه.
عقدان من الزمان كانت كافية أن يحتكر ثلة من الشباب المتمردين سوق المخدرات عقب الإطاحة بــ”الرؤوس الكبيرة”، فأنهت معها حقبة الماريوانا وافتتحت عهد الكوكائين بأرباح طائلة، ونفوذ أكبر تطلّب تفاهمات جديدة.
ينعم الأهالي بالاستقرار في مناطقهم مقابل “أتوات” تُدفع للمافيا الناشئة، بينما ينال الأمن بعضاً من المال، ويغض الطرف عن أنشطتهم غير المشروعة، ويموّلوهم بالسلاح إن لزم الأمر.
تقاسمت عصاباتان رئيسيتان حُكْم مدينة الله، واستطاعتا القضاء على جميع اللصوص الصغار، وعاشت الأحياء فترة من الهدوء والأمان قبل أن تتولد الصراعات بين الزعامتين المستحدثتين، إذ تستبد بكليهما رغبة الاستحواذ على كامل الثروة والسلطة.
رصاصة واحدة وتندلع الفوضى في جميع الأنحاء، ويسترجع الطرفان ثاراتهما القديمة، ويأتيهما السلاح من كل مكان ليدلّ وحده على هوية المتقاتلين والخراب المنتظَر.
وفجأة، يتذكّر الإعلام هذه البقعة المنسية، التي يعاني مواطنيها النبذ الاجتماعي وانعدام الاندماج وغياب التعليم والرعاية الصحي والعمل، لتبحث الصحف عن إثارتها بنشر مغامرات أمراء الحرب على صفحاتها الأولى، كما تحوّل العجز الحكومي إلى تصريحات مكررة تشير إلى ضرورة وقف العنف، وتنفي مناصرتها فريقاً من المتحاربين.
يأخذ القتْل مسميات عدة، والكلّ يدعي حقّه في إلغاء الآخر، فتُمحى لديه ذاكرة البؤس والمعاناة المشتركة، وشهوة التدمير تحاصر الروح والحجر، وتستنطق مزيداً من الوحشية والدم.
ينجح أحد هواة التصوير- الذي لم يلتحق بعالم الجريمة خلافاً لأقرانه – أن يغدو مصوراً لدى صحيفة تتابع أخبار الحرب الدائرة، ملتقطاً بعدسته كوارث صنعها مهمّشون امتلكوا أدوات السلطة فغرقوا في أوحالها.
“غرقُ” مدينة الله، التي آمن أبناؤها بالقتل في سبيل خلاصهم من مآساتهم، نعيشه بنسخ متقاربة في بقية مدن الله في العالم، وإن ادعت “التحضّر” وخاضت حروبها المعلنة والمستترة باسم الأديان والأوطان والحرية.

