صحيفة الكترونية اردنية شاملة

مباراة داخل حافلة

0

أستقلُ الباص النازل صوب وادي صقرة، وأتخذ مكاناً منفرداً خلف السائق مباشرة، وعيني على الطريق التي حفظت تفاصيلها عن ظهر قلب ولم آلفها وتألفني حتى اليوم.

كالعادة؛ وقوفٌ متكرر للحافلة في غير محطاتها، لترتفع – بغتة- شكوى أحد الركاب ضد “الحمقى” الذين حطّموا زجاج سيارته، البارحة، عقب انتهاء المعركة “التاريخية” بين الفصيلي والوحدات.

تخرج منه كل عبارات الاستنكار والاستهجان لسلوك مشجعي الفريقين، ثم يخصّص غضبه تجاه صهره الميكانيكي الذي أظهر له شماتة بسبب فوز ناديه المفضل، كاشفاً عن حنقٌ عليه يتجاوز حدود الاختلاف الكروي.

يأتيه التوضيح من راكبٍ يؤكد وجود مؤامرة يحيكها يهود ضد شعبنا المتلاحم والمتكاتف على مرّ العصر والأزمنة، وأن لعبة كرة القدم مشبوهة منذ نشأتها، لكنه ختَم بالقول أن اليهود لا يفعلون ذلك، في إشارة إلى انتصاره لأحد الفريقين.

يتدخل شابٌ بالحديث عن ضعف الأداء والموهبة لدى اللاعبين وخيبة أمله من تراجع الرياضة في بلادنا، مقارنة بما وصلت إليه كرة القدم في الغرب، وفي خضم نقاشه جماليات اللعبة، ألمح إلى مسؤولية الحكومة عن الشغب في ملاعبنا، ما استدعى رداً حاسماً من قائد الحافلة.

السائق، الذي يرتدي نظارة شمسية سوداء، سارع إلى نفي الاتهامات عن السلطة، مشككاً بولاء الراكب الذي يغمض العينين على “تخلّف” الشعب، فما حدَث تسبب به أحد الفريقين.

دعمٌ عاجل قدّمه راكب يجلس في الوراء، مستفيضاً بتناول مؤشرات التخلف وسماته، وأهمه عدم انتظام الناس في الطابور عند صعودهم “السرفيس” أو استلام دعم المحروقات.

لم يغفل راكب آخر غياب الوازع الديني والأخلاقي لدى بعض الجماهير، وهو ما يتطلب وقفة تجمع رجال الدين والحكْم لإنهاء ما أسماه “العنف المجتمعي” المتزايد.

لاحت صور “الوقوف” و”الأرجل” في بالي، فيما كانت تستعد عجوز مسنّة إلى النزول من الباص، وهي تلهج بالدعاء بأن ينصر كلا الطرفين على عِداهم.

همهمات وهمسات الركاب ترثي لحال العجوز، التي تبدو لهم أنها لم تستمع إلى تنظيراتهم السابقة، بينما تواصل الحافلة انحدارها بسائق يرتدي نظارة شمسية سوداء.

دفعني الفضول حينها للنظر ورائي إلى الركاب المتناظرين، فلم تقع عيني إلاّ على أجساد بلا رؤوس لا يُسمع منها غير أصوات ارتطام أيديها المنشكحة بالنوافذ، وأرجلها المنسدحة بالأرضية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.