صحيفة الكترونية اردنية شاملة

العرض الأفضل

0

“ثمة شيء حقيقي مخبأ في كل عملٍ مزوّر”؛ عبارة يكررها فيرجل أولدمان بطل فيلم “العرض الأفضل” لتشكّل خلاصة عمله –عقوداً طويلة- بائع مزادات علنية متخصص باللوحات والمنحوتات والتحف القديمة.

شغفٌ بالفن حجَب عنه الدنيا، زاهداً بزيفها البشري والماديّ، ليصبح خبيراً عالمياً، غير مبالٍ بالشهرة، بل باقتناء أعمالٍ فنية رفيعة عبر شراكة قائمة على الاحتيال مع صديقه الفنان الفاشل “بيلي”، مستغلين عدم معرفة الجمهور بقيمتها الحقيقية، فيرسي المزاد – دوماً- على شريكه بمبلغ يقلّ بكثير عن سعرها الفعلي.

اختبار الجمال كانت لعبة صاغها مخرج الفيلم ومؤلفه الإيطالي جيوزبي تورنتوري بذكاء، ليصوّر بطله بعناية فائفة، مرتدياً قفازين لا يقبض بهما على الأشياء المحيطة به مباشرة، ولا يختلط مع الناس خارج العمل، هانئاً بوحدة لا تؤنسه فيها إلاّ رسومات نادرة لنساء تزيّن جدران غرفة خاصة في منزله الذي يفصله عن العالم.

اليًتم خلق القسوة والصرامة في روح أولدمان، ونشؤوه في مدرسة الراهبات عرّفه على تاريخ الفن ومدارسه، إذ كان يعدّ ترميم أعمال الفنانين في الكنيسة عقاباً لتلامذتها، وبذلك تأسس مفهومه للجمال الذي لا يجيده إلاّ فنان مبدع، بينما يُخفق المزوّر في إدعائه الإبداع تاركاً خلفه أثراً حقيقياً منه يكشف عنه.

“كشْف” حدد مسار عيْشه الذي يبدو غير مدهشٍ خارج إطار مقتنياته حتى ينوي “بيلي” أن يقلبه رأساً على عقب، فاتفق مع ممثلة سينمائية أن تتصل به تحت اسم مستعار، وتدعوه إلى قصر استأجرته، ونثرت به تحفاً وقطعاً فنية، مدعية أنها ورثته عن عائلتها، وتريد تقييم محتوياته.

لم تظهر له كلير في جميع زياراته للقصر مغلقة عليها باب غرفتها، متذرعة بأنها تعاني رهاب الأماكن المكشوفة، ولأن فيرجل لم يعرف إمرأة في حياته، ويبحث – من دون وعي منه كذلك- عن شغف يضاهي تعلّقه بنسائه المنتشرات على حيطان بيته، سرعان ما وقع في غرام ذلك الغامض البعيد المستتر.

يعيش معها علاقة غرامية تتوج بارتباط أنهى عالمه “الافتراضي”، ويقرر اعتزال المهنة بمزاد أخير في لندن، ليعود منه إلى بيته وقد هربت منه حبيبته بعد أن سرقت كامل مقتنياته.

لقد قايض أولدمان – من غير دراية- ما اعتقد أنه جمال صافٍ مجردٍ بلحظة عشق عابرة لكنها متحققة لحماً ودماً وحميمية رغم زوالها، لنبقى أسرى سؤالنا الأبدي عن الوهم الذي يعادل الحقيقة، والحقيقة التي تساوي الوهم في حياة تتلبس أقنعتهما.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.