صحيفة الكترونية اردنية شاملة

الطاقة.. حرب باردة بين أميركا وروسيا

0

تتزايد المطالب من الولايات المتحدة بنشر أحدث سلاح في ترسانتها الاستراتيجية وهو الطاقة، في وقت يشتد فيه إحكام القبضة الروسية على القرم.

كان السياسيون، خاصة الجمهوريين منهم، يضغطون على الإدارة لكي تخفف من القيود على تصدير الغاز الطبيعي والنفط الخام إلى الخارج، لزعزعة الوضع الروسي في الأسواق العالمية.

الجاذبية في ذلك واضحة، يبدو أن ازدهار النفط الصخري يقدم للولايات المتحدة قوة إضافية لإبراز عضلاتها في دبلوماسية الطاقة، وذلك باستخدام مواردها للتأثير دون الحاجة لاستخدام القوة.

ولسوء الحظ، فإن الحقيقة ليست بتلك البساطة. ما زالت الولايات المتحدة مستورداً صافياً كبيراً، وعلى الرغم من أن إنهاء القيود على صادرات الخام سيساعد في تقوية الإنتاج المحلي، إلا أن من غير المرجح أن يحدث ذلك فرقاً مهماً على إيرادات روسيا من النفط.

إطلاق كميات كبيرة من الاحتياطي النفطي الأمريكي إلى الأسواق، كالتلميح الذي صدر بالتهديد باستخدام “تجربة” بيع هذه الكميات، ربما يكون له أثر بالغ، ولكنه سيؤذي صناعة النفط الأمريكية والنفط في دول أخرى غيرها، دون روسيا.

بالنسبة للغاز، فإن الموقف مختلف، في الوقت الذي تنمو فيه تجارة الغاز الطبيعي المسال، بازدياد الصادرات، ليس من الولايات المتحدة فحسب، بل أيضاً من دول أخرى مثل قطر وأستراليا، فقد أصبحت أسواق الغاز أكثر عالمية بعد أن كانت من الناحية التقليدية، مشتتة إقليمياً.

يحاول جيسون بورداف من مركز سياسة الطاقة العالمية في جامعة كولومبيا، إثبات عكس ذلك بقوله إن ذلك يصعِّب على روسيا السيطرة على الأسواق الأوروبية، لأن لهذه البلدان مصادر بديلة لوارداتها.

وعلى الرغم من أن زيادة صادرات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة، يمكن أن تساعد في تآكل بعض التأثير الروسي، إلا أن الادعاء بأن ذلك سيقلب ميزان قوة الطاقة، بعيد الاحتمال.

من غير المرجح أن يكون حجم صادرات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا كافياً ليحل محل كل الواردات الأوروبية من روسيا. تم حتى الآن منح تصاريح لخمسة معامل ببيع كمية تصل إلى 8.5 مليار قدم مكعبة من الغاز في اليوم، إلى دول ليس لديها اتفاق للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة، ومنها الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وحسب الوكالة الدولية للطاقة، فإن واردات أوروبا من الغاز الروسي الآن، هي نحو ضعف معدل وارداتها الذي بلغ معدله في العام الماضي 16 مليار قدم مكعبة من الغاز في اليوم.

تم إيداع طلبات إلى وزارة الطاقة لبناء 24 معملاً أمريكيا قدرتها الإجمالية نحو 27 مليار قدم مكعبة في اليوم، ولكن من غير المرجح أن يتم بناء أغلب هذه المعامل.

التصاريح الحكومية ليست القيد الوحيد، فمعامل الغاز المسال الجديدة، التي يمكن أن يكلف الواحد منها عشرة مليارات دولار، تحتاج أيضاً لجمع أموال لتمويلها، هناك مشروع واحد فقط تمكن من تأمين التمويل والبدء في البناء، وهو سابين باس التابع لشركة شينير إينيرجي.

المستثمرون المحتملون بحاجة أيضاً إلى التفكير بأثر الصادرات على سوق الغاز الأمريكية، فإذا اشتغلت كل معامل الغاز المسال هذه، فسوف تستخدم أكثر من نصف الغاز المنتج في الولايات المتحدة حالياً، الأمر الذي سيرفع من الأسعار، وربما يفقد الصادرات الأمريكية التنافسية.

تتوقع مؤسسة الاستشارات وود ماكينزي بأن تصبح الولايات المتحدة مصدرة لما بين 60-70 مليار قدم مكعبة من الغاز في اليوم، في النصف الأول من العقد المقبل.

المهم هو أن الكثير من الغاز الأمريكي المسال تم الوعد بتصديره بعقود بعيدة المدى، مع شركات آسيوية مثل شركة كوغاز الكورية وأوساكاغاز اليابانية وبيرتامينا الإندونيسية.

يوجد بعض الشركات، التي تخطط لشراء الغاز الأمريكي المسال ثم شحنه إلى أي أماكن تراها مربحة، ومن هذه الشركات مجموعة بي جي (شركة الغاز البريطانية) وسينتريكا في بريطانيا، لكن “وود ماكنزي” تجادل بأن المعامل الجديدة ستكون عادة بحاجة إلى زبائن مرتبطين معها بعقود لتصدير 70 في المائة من غازها، إذا أرادت تأمين التمويل اللازم لها، وسيكون هؤلاء المشترون بشكل عام في آسيا.

مع ذلك سيترك هذا بعض الغاز الذي يمكن تحويله إلى أوروبا في حال حدوث أزمة، وحسب مجموعة اتحاد الغاز الدولي الصناعية، فإن السوق الفورية وقصيرة الأجل أصبحتا بصورة متزايدة جزءاً مهماً من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، حيث شكلتا 31 في المائة من المبيعات في 2012.

لدى أوروبا الكثير من مرافق استيراد الغاز الطبيعي المسال غير المستغلة بكامل قدرتها، التي شكلت أقل من 25 في المائة من قدراتها في العام الماضي، وذلك حسب بيانات الوكالة الدولية للطاقة. ومع ذلك، وبخلاف روسيا، فإن لدى الولايات المتحدة صناعة غاز مستقلة تهدف إلى تعظيم أرباحها، والإدارة الأمريكية لا تستطيع تحديد الوجهة، التي سيذهب إليها الغاز الطبيعي المسال، أو ما هي تكلفته.

يقول باتريك هيرين، المستشار في شؤون الطاقة: “إذا رغبت أوروبا في واردات من الغاز الطبيعي المسال، سواء من الولايات المتحدة أو من أي مكان آخر، فعليها أن تدفع ثمن ذلك، وذلك يعني المنافسة مع اليابان، حيث سعر الغاز هناك اليوم أعلى بكثير من الأسعار في الاتحاد الأوروبي”.

بالتالي، فإن المزايدة على اليابان تعني أن على الأوروبيين دفع 37 في المائة أكثر، ثمناً للغاز مقارنة بما تدفعه أوروبا الآن ثمناً لواردات الغاز الطبيعي المسال، أو بنسبة 63 في المائة أكثر مما تدفعه الآن ثمناً للغاز الذي يأتيها بالأنابيب من روسيا. وبالنسبة لدول تعاني صعوبات مالية مثل أوكرانيا، فإن ذلك يعني تحويل أزمة الطاقة إلى أزمة مالية.

عليه، فإنه في حين أن واردات الغاز الطبيعي المسال ستساعد على التخفيف من خطر تكرار انقطاع الإمدادات الفعلية، التي أصابت بلدان من فرنسا إلى اليونان في 2009، حين قطعت روسيا إمدادات الغاز إلى أوكرانيا، نتيجة لخلاف على أحد العقود، إلا أنها لن تدفع البلدان الأوروبية إلى عدم الاكتراث بعلاقاتها مع روسيا.

حتى في سوق النفط، وهي سوق عالمية سائلة بالكامل، فإن روسيا من أكبر مصدرين في العالم وتتمتع بحضور قوي؛ وفي سوقة الغاز، فإن من المرجح أن أكبر مصدّر خلال المستقبل المنظور، سيظل هو روسيا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.