صحيفة الكترونية اردنية شاملة

البيتكوين يكشف مواطن اعتلال النظام المالي العالمي

0

الدرجة التي تجاهل بها الاقتصاديون ظاهرة البيتكوين (العملة الرقمية) لا يتفوق عليها إلا المدى الذي تجاهل به عشاقُ البيتكوين علمَ الاقتصاد. الهوة التي تفصل بين هاتين المجموعتين أكبر من الهوة التي تفصل بين النظيري والرقمي. ولو أنك سألتَ شخصاً عن الأهمية الفورية لعملة الإنترنت الاصطناعية، فلن تكون هناك في الواقع أمور كثيرة يمكن قولها. البيتكوين ليست عملة مهمة على نطاق الاقتصاد الكلي، ولن تكون كذلك قط. وهذا يفسر السبب في أن الاقتصاديين لم يولونها اهتماماً يذكر. ويوم الجمعة الماضي كان كامل المخزون من البيتكوين أقل من سبعة مليارات دولار، في حين أن القاعدة النقدية للولايات المتحدة أربعة تريليونات دولار.
لكن النظر إلى الأمر بهذه الطريقة يبتعد عن جوهر الموضوع. فالأهمية الحقيقية للتكنولوجيا وراء البيتكوين هي ما تنطوي عليه هذه العملة من إمكانات مستقبلية. ربما ينتهي المطاف بالبيتكوين نفسه إلى أن يلعب دور الأبله المفيد الذي يتم في النهاية اغتصاب أمواله من قبل خلَف يتمتع بالجدارة لذلك، ولنطلق عليه “البيتنوت”.
حين ننشئ البيتنوت على النحو السليم، فإنه يستطيع أن يشكل تحدياً مزدوجاً لا يستهان به لنظامنا الاقتصادي القائم. الجزء الأول هو التحدي الذي يشكله للبنوك المركزية التي تحتكر إصدار العملات، والثاني للنظام العالمي في مجال التوسط المالي. وحين نأخذ الجزأين معاً، نجد أن البيتنوت يصبح متحدياً محتملاً لكامل نظام التمويل العالمي، خصوصاً نظام بنوك الاحتياط الجزئية، حيث يقوم البنك المركزي بتوجيه الأموال إلى الاقتصاد عبر البنوك.
وإذا حدث هذا، سيكون فعلاً له أهمية ضخمة بالنسبة للاقتصاد الكلي، بل وعلى المستوى الجيوسياسي. وسواء كان هذا التغير حميداً أم غير ذلك، فهذه مسألة أخرى. وسيتوقف الأمر على الظروف التي يحدث فيها التحدي والسمات التي تتميز بها الأموال الجديدة نفسها. والبيتكوين في شكله الحالي غير مؤهل للقيام بهذه المهمة بسبب محدودية قاعدته النقدية. صحيح أنه يتعامل مع برنامج خوارزمي لتوليد المال، لكن الرقم الإجمالي للبيتكوين قيد التداول هو 21 مليون “قطعة”. لو كان البيتكوين هو عملتنا فعلاً، فإنه سيعمل في أحسن الأحوال مثل معيار الذهب. وهذا آخر شيء يريده المرء في الاقتصاد العالمي الهش الذي نعيش فيه الآن. لكن هذه حجة ضد البيتكوين على المستوى السطحي، وهي ليست ضد مبدأ نظام نقدي أكثر تطوراً من الناحية الاقتصادية.
إن احتكار البنوك المركزية لإصدار العملات متوج بالتشريعات والقوانين – لكن القانون لا يضمن هذا الوضع الراهن إلى ما لا نهاية. سيكون من الصعب التمييز ضد البيتكوين وما يأتي بعده من خلال قوة القانون وحده. انظر إلى المال على أنه عقد اجتماعي بين المواطن والدولة. وعهدت الديمقراطيات إلى البنوك المركزية بمهمة إصدار النقود، لأن هذه هي الطريقة التي نرجو أن نضمن من خلالها الوظائف الأساسية للنقود، وهي أن تكون سبيلاً شاملة مقبولة للتعاملات، ووحدة للحساب، أو مستودعاً للقيمة. ويمتلك البنك المركزي الأدوات لضمان استقرار الأسعار، ويستطيع أن يستخدم قوته الاحتكارية ليقدم وظائف مقرض الملاذ الأخير في حالة الأزمة. ويستطيع كذلك أن يستخدم السياسة النقدية لتقليص التقلبات أثناء الدورة الاقتصادية. ويمكنه القيام بكل هذه الأمور بصورة مضمونة أكثر بكثير من أي منافس في القطاع الخاص. وفي العادة توضع حراسة على معامل طبع الأموال والبنوك المركزية باستخدام أناس لديهم أسلحة، لكن أمن الإنترنت يختلف عن ذلك. ومع أن الأموال الوثيقة (أي المفروضة من قبل الدولة) يمكن أن تفلس من الناحية النظرية، إلا أن بورصة ماونت جوكس للبيتكوين أفلست فعلاً. هذه الميزات مهمة، لكن من الممكن أن تكون زائلة. والنظام الحالي موجود فقط لأن المجتمع قرر أن النظام السابق لم يحقق النجاح. وكان تراكم الأزمات المالية في المجتمعات الصناعية هو الذي أحضر لنا البنك المركزي الذي يتمتع بقوة احتكارية على الأموال الوثيقة.
لكن إذا كانت التغيرات الاقتصادية والسياسية أنشأت نظامنا الحالي، فهي أيضاً ستعمل على إنهائه. فقد أصبح البيتكوين ممكناً من الناحية الفنية بفضل الإنترنت والتطورات في علم التشفير. وسواء كان البيتنوت الافتراضي سينمو ليصبح مهماً على نطاق الاقتصاد الكلي، فإن هذا لن يتوقف على التكنولوجيا بقدر ما يتوقف على تصور فائدة النظام الجديد نسبة إلى نظامنا الحالي. ربما تكون هذه التصورات في حالة تغير. فالجمع بين التحرير المالي والعولمة، والسياسات الاقتصادية في البلدان، وغياب التنسيق العالمي، يعد أمراً غير قابل للاستدامة. والشيء غير القابل للاستدامة إما أن ينتهي، أو يصبح قابلاً للاستدامة. إن تجربة تعاملنا مع الأزمة المالية العالمية والأزمات الإقليمية المختلفة تشير إلى أن من غير المرجح حدوث تغيير كبير في النظام. فلم تحقق مجموعة العشرين أو غيرها من أندية الجدل الدولية تقدماً يذكر من حيث إصلاح القطاع المالي والتنسيق في السياسة النقدية. وجماعات الضغط لصالح الشركات المالية هي الآن أقوى من أية مرحلة سابقة. قبل عشر سنوات فقط كانت مؤسسة السياسة لا علم لها على الإطلاق بكيفية السيطرة على الفقاعات المالية. ومهما كانت الأولويات بالنسبة إلى البلدان المتقدمة، فإن جعل النظام المالي قابلاً للاستدامة ليس على رأس هذه الأولويات. وإذا استمر الاضطراب العالمي فسيُنتِج المزيد من الأزمات. وسواء كان بمقدور البيتكوين التالي، أو ما يأتي بعده من عملات أن يحقق النجاح، فهذا في علم الغيب، لكن البيئة الحالية تعد بيئة يمكن أن يزدهر فيها نظام بديل لا مركزي.
وسيكون من المفيد أن يتم اكتساب اهتمام عابر في الاقتصاد النقدي. أغلب ظني أن التحدي أمام مهنة الاقتصاد سيكون أكبر من ذلك بما لا يقاس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.