تسود الأسواق العالمية للحبوب حالة من الذعر والترقب انتظاراً لما ستسفر عنه تطورات الأحداث في أوكرانيا بعد نجاح المعارضة في عزل الرئيس فيكتور يانوكوفينشا عقب دخول قوات روسية شبه جزيرة القرم، وإعلان أوكرانيا رسمياً أنها على وشك كارثة بعد إعلان روسيا الحرب عليها.
الأحداث على الأرض تسارعت وتيرتها خلال الساعات الماضية، إلا أن انعكاس تلك الأحداث على أسواق الحبوب العالمية ربما كانت سريعة مع جلسة نهاية الأسبوع الماضي يوم الجمعة، وربما ستكون أكثر سرعة خلال الأيام المقبلة، فالأمر لم يعد يتعلق بأوكرانيا ثاني أكبر مصدر للحبوب في العالم، بل يتعلق بصادرات منطقة البحر الأسود التي تضم ثلاثة من كبار مصدري الحبوب في العالم هم أوكرانيا، وروسيا، وكازاخستان، حيث تشكل صادرات الدول الثلاث نحو 20 في المائة من إجمالي الصادرات العالمية للحبوب.
واستقبلت أسعار الحبوب العالمية الأحداث مع جلسة نهاية الأسبوع الماضي بتسجيل أسعار القمح العالمية نحو سبعة دولارات، ما لبثت أن أضافت مثلها مع بداية تداولات الأسواق أمس، لتسجل أسعار القمح الطري سعر 264 دولار فوب ارتفاعاً من مستوى 250 دولارا فوق يوم الخميس الماضي أي بارتفاع 5.6 في المائة خلال أقل من جلستين، فيما ارتفعت أسعار القمح الصلب من مستوى 300 دولار للطن فوب إلى نحو 314 دولارا للطن فوب. أسعار الذرة العالمية ارتفعت إلى 206.5 دولار فوب بارتفاع 5 في المائة مقارنة بأسعار الخميس الماضي.
تحليل وضع أوكرانيا ومنطقة البحر الأسود في السوق العالمية للحبوب يعكس الصورة أكبر، ويبرر حالة الذعر والترقب التي تنتاب تلك الأسواق، صحيفة “الاقتصادية”، قامت بتحليل السوق العالمية للحبوب من واقع بيانات المجلس الدولي للحبوب.
يقدر الإنتاج العالمي من الحبوب خلال الموسم الحالي 2014/2013م والذي سوف ينتهي بنهاية شهر حزيران (يونيو) 2014م، بنحو 1.96 مليار طن، تأتي الولايات المتحدة في مقدمة الدول المنتجة بإجمالي 427.8 مليون طن، وتستحوذ دول أمريكا الشمالية بعد إضافة كندا والمكسيك نحو 27 في المائة من الإنتاج العالمي بإجمالي 531.8 مليون طن، وهو ما يضع كلا من الولايات المتحدة وكندا ضمن أكبر الدول المصدرة للحبوب في العالم.
ويبلغ إنتاج دول شرق آسيا التي تضم الصين والهند نحو 552.6 مليون طن أي 28 في المائة من الإنتاج العالمي، إلا أن ارتفاع الكثافة السكانية في تلك الدول يضع معظمها ضمن الدول المستوردة للحبوب لا المصدرة.
أما منطقة البحر الأسود (روسيا، أوكرانيا، كازاخستان، بلاروسيا، أوزباكستان … إلخ) فيبلغ إنتاجها من الحبوب نحو 192.4 مليون طن تمثل نحو 10 في المائة، إلا أن انخفاض استهلاك تلك الدول من الحبوب يرفع الفائض لديها لتمثل صادراتها 20 في المائة من صادرات الحبوب العالمية.
وتأتي روسيا في مقدمة دول البحر الأسود من حيث إنتاج الحبوب، بإجمالي كمية 87.7 مليون طن وبنسبة 45.5 في المائة من إجمالي إنتاج المنطقة تليها أوكرانيا بإجمالي إنتاج 62.5 مليون طن تشكل 23 في المائة من إنتاج المنطقة، إلا أن انخفاض استهلاك أوكرانيا من الحبوب مقارنة بروسيا يضعها في المقدمة من حيث الصادرات بإجمالي 30.2 مليون طن مقابل 20.2 مليون طن صادرات لروسيا.
وهذه الكمية من صادرات الحبوب الأوكرانية تضعها في المركز الثاني عالمياً من بين أكبر مصدري الحبوب عالميا بعد الولايات المتحدة وفي حالة عدم اعتبار صادرات دول الاتحاد الأوروبي كتلة واحدة.
وتعكس تلك الأرقام أهمية منطقة البحر الأسود لأسواق الحبوب العالمية وأيضا الأهمية النسبية لأوكرانيا بوصفها الأكثر تصديراً في المنطقة، وهذا يفسر بشكل كبير حالة القلق والترقب التي تسيطر على الأسواق العالمية منذ تصاعد الأزمة في أوكرانيا، ويعطي التعمق في توزيع صادرات منطقة البحر الأسود بين الأنواع المختلفة للحبوب يعطي صورة أوضح لأكثر أسواق السلع تأثراً وأيضا الدول الأكثر تأثرا بالأزمة الأوكرانية.
وتشكل صادرات أوكرانيا من الذرة نحو 60.5 في المائة من إجمالي صادراتها من الحبوب بإجمالي كمية متوقعة لهذا الموسم تقدر بـ18.3 مليون طن وهذا يعكس وضع أوكرانيا عالمياً بين الدول المصدرة للذرة، فهي تحتل المركز الثالث عالمياً بعد كل من الولايات المتحدة (35.5 مليون طن) والبرازيل (24 مليون طن).
وبالتالي فإن حالة الترقب والقلق تزداد بشكل كبير في أسواق الذرة ومن ثم صناعة الأعلاف العالمية التي تعتمد بشكل كبير على الذرة، فارتفاع أسعار الذرة في الأسواق الأمريكية خلال جلسة الجمعة وبداية جلسة الأمس يعكس المدى المتوقع لآثار تلك الأزمة في حالة تفاقمها وتوقف للصادرات الأوكرانية بعد ارتفاعها بنحو 5 في المائة، وهو ما قد ينعكس خلال الأيام القليلة المقبلة على المنطقة العربية المستوردة بشكل أساسي للذرة، خاصة إذا شملت الأزمة أي مساس بالصادرات الروسية من الذرة.
أسعار القمح العالمية هي الأخرى تأثرت بشكل كبير، فانعكاس الأزمة هنا قد لا يقتصر على أوكرانيا بل يمتد إلى الخوف والقلق من توقف صادرات البحر الأسود، حيث يقدر الإنتاج العالمي من القمح هذا الموسم بنحو 707.7 مليون طن، وعلى الرغم من أن مجموعة دول شرق آسيا (بشكل خاص الصين والهند) تستحوذ على نحو 34 في المائة من الإنتاج العالمي للقمح بإجمالي 246.4 مليون طن، إلا أنها دول مستهلكة، وبالتالي لا تأتي في مقدمة الدول المصدرة للقمح. ويبلغ إنتاج منطقة الاتحاد الأوروبي 146.6 مليون طن تمثل 21 في المائة من الإنتاج العالمي ومع انخفاض استهلاك القمح فيها تأتي من بينها فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة بين الدول المصدرة للقمح. أما إنتاج أمريكا الشمالية فيبلغ 99 مليون طن يمثل 14 في المائة من الإنتاج العالمي إلا أن الولايات المتحدة فقط تنتج 58 مليون طن تضعها في مقدمة الدول المصدرة للقمح عالمياً بكمية 31 مليون طن تمثل 21 في المائة من الصادرات العالمية.
أما منطقة البحر الأسود فيبلغ إنتاجها من القمح 102.7 مليون طن تمثل 14.5 في المائة من الإنتاج العالمي، إلا أن صادراتها تمثل 22 في المائة من الصادرات العالمية للقمح، وتأتي روسيا في المقدمة بإجمالي صادرات 15.6 مليون طن رابع أكبر مصدر للقمح في العالم وتبلغ صادرات أوكرانيا من القمح 9.5 مليون طن تضعها في المركز الخامس عالميا بين الدول المصدرة للقمح.
وتمثل صادرات دول البحر الأسود من القمح أهمية خاصة لدول الشرق الأوسط، حيث تعتمد العديد من الدول العربية على صادرات القمح الروسية والأوكرانية نظراً لانخفاض أسعاره مقارنة بالمناشئ الأخرى الفرنسية والألمانية هذا من جانب ومن جانب آخر انخفاض سعر نولون النقل مقارنة بالقمح الأمريكي الشمالي والجنوبي أو الكندي أو الأسترالي.
وتعتمد مصر – أكبر مستورد للقمح في العالم – بشكل كبير على واردات القمح الروسي والأوكراني، حيث بلغت واردات مصر من أوكرانيا هذا الموسم نحو 880 ألف طن، وذلك وفقاً لتصريح رئيس هيئة السلع التموينية الجهة الحكومية المستوردة للقمح، إلا أنه لم يوضح ما تم وصوله فعلاً من هذه الكمية إلى مصر وما الكميات المتعاقد عليها ومجدول وصولها. فالسوق الأوكرانية تعاني وجود تجار صغار مسيطرين على صادرات الحبوب ويتجه بعض الموردين للسوق المصرية للتعاقد مع هؤلاء التجار وليس مع شركات كبيرة مثلما يحدث في السوقين الأمريكية والأوروبية، وفي الأغلب مع حدوث أي ارتفاعات كبيرة في أسعار القمح المحلي في أوكرانيا لا يلتزم هؤلاء الموردون بالعقود الموقعة.
أما السوق السعودية فهي بعيدة في وارداتها عن منطقة البحر الأسود، وذلك نظراً لعدم مطابقة مواصفات القمح المنتج في منطقة البحر الأسود لمواصفات المؤسسة العامة لصوامع الغلال ومطاحن الدقيق، الجهة الحكومية المستوردة للقمح، فالقمح المنتج في منطقة البحر الأسود يحتوى على نسبة لا تقل عن 1 في المائة مما يسمىBug Damage أو الإصابة الحشرية في الحبة، فيما تشترط المواصفة السعودية خلو الأقماح من هذه الإصابة بشكل كامل، وبالتالي فإن التأثير سيكون فقط في ارتفاع أسعار القمح المستورد بشكل عام في حالة تفاقم الأزمة، والتأثير سيكون أكبر في أسعار الأعلاف المصنعة التي تعتمد على الذرة، إلا أن الانخفاض الذي شهدته أسعار الذرة خلال الأشهر الأخيرة ربما لا يظهر تأثيرا كبيرا في الأسعار على المدى القصير.
وأخيراً تأثير الأزمة في أسواق الشعير العالمية، فأوكرانيا تعد رابع أكبر مصدر للشعير في العالم بإجمالي كمية 2.3 مليون طن تمثل 11.4 في المائة من الصادرات العالمية التي تبلغ 20.1 مليون طن، فيما تبلغ صادرات روسيا من الشعير نحو 2.5 مليون طن منها 2.4 مليون طن شعير علفي، ومن المعروف أن السعودية أكبر مستورد للشعير في العالم بإجمالي كمية متوقعة هذا الموسم تقدر بـ 8.5 مليون طن أي بنسبة 42.3 في المائة من إجمالي الواردات العالمية حيث تدعم الدولة أسعار الشعير الذي تعتمد عليه تربية المواشي وبالتالي اللحوم ومنتجات الألبان بشكل كبير، وتصاعد الأزمة الأوكرانية مع روسيا سوف ينعكس بشكل كبير على أسعار الشعير العالمية.

