دولة الرئيس.. اعتذر
الآن؛ دخلت قضية بيع أراضٍ في البحر الميت لنائب بأقل من سعرها السوقي بنسبة 70 بالمائة، منحى جديدا بعد أن كشفت صحيفة “المقر” بالوثائق، أن دولة رئيس الوزراء هو فعلا من أمر هيئة المناطق التنموية بتحديد سعر البيع للنائب وليس هيئة المناطق كما قال الرئيس أمام مجلس النواب .
القضية تفاعلت بهذا الشكل غير المسبوق، والتي في اعتقادي لا يضاهيها في تفاعل الرأي العام معها سوى قضيتي الكازينو وشاهين، والسبب في ذلك يعود الى طريقة تعامل الحكومة مع القضية، ومحاولة البعض التطاول على القانون والتذاكي على الدولة وأنظمتها بحجة تسريع الاستثمار والقضاء على المماطلة والبيروقراطية.
هيئة المناطق التنموية لا تمتلك الحق القانوني في بيع أراض الدولة وفق أسعار مخالفة لقرارات لجنة التقدير الخاصة بذلك، والمُشكَلَة وفق قرار لمجلس الوزراء، وأي قرار يتجاوز قيمة التقدير سواء أكان بالحد الأعلى أم الأدنى يتطلب موافقة من قبل مجلس الوزراء فقط.
رئيس الحكومة يعلم هذه التفاصيل جيدا، لذلك طلبت لجنة التنمية والاقتصاد في الرئاسة الاجتماع برئيس هيئة المناطق التنموية مها الخطيب لأخذ الموافقة على سعر أراضي البيع بقيمة 75 دينار؛ وهو ما كانت الهيئة رفضته مرارا وتكرارا، ليس فقط من قبل مجلس المفوضين الحالي، وإنما من المجالس السابقة، لكن هذه المرة دفع وزير الصناعة الامر الى لجنة التنمية، حيث ترأس الاجتماع نظرا لغياب وزير المالية، ودار النقاش مع الخطيب حول الصفقة التي رفضتها بحكم القانون، وخرج الاجتماع دون قرار صريح.
إلا أنه في جلسة مجلس الوزراء الأخير عرض الموضوع مرة أخرى بحضور الرئيس وبمشاركة الخطيب، وطلب الرئيس منها ضرورة الإسراع في إنجاز معاملات المستثمرين، وأن حكومته هي من عينها في هذا المنصب لأجل هذا الغرض، وأن رفضها يضع العراقيل أمام الاستثمار، فما كان منها إلا أن قالت إنها “لا تملك الحق القانوني في بيع الأراضي بهذا الثمن الذي تطلبه مني يا دولة الرئيس، لأنه خارج تقديرات اللجنة المختصة، لذلك اطلب منك الموافقة على كتابي الموجه اليكم ردا على كتاب سابق منكم بأن يقوم مجلس الوزراء هو باتخاذ قرار البيع بهذا السعر”.
هنا رفض النسور هذا المقترح وأصر أن ينقل مسؤولية القرار وتداعياته الى الهيئة وأن تنفذه، وحينها طلب من السادة الوزراء الحديث، لكن لمن مع قراره وليس ضده، الا ان مداخلة وزير الدولة لشؤون رئاسة الوزراء الدكتور احمد زيادات أنقذت الموقف؛ بعد أن قال مخاطبا الرئيس إنه لا يحق لمجلس الوزراء اتحاذ مثل هذا القرار، حينها فض الرئيس اجتماع مجلس الوزراء .
في الحقيقة؛ إن الرئيس وضع نفسه في موقف محرج، لأن صراخه هذه المرة لم يثير الرعب في نفس الخطيب ولم تخف منه وأصرت على موقفها القانوني، وهو لم يستطع استكمال الاجراءات لعلمه ويقينه بأنه مخالف للقانون والأنظمة التي أقرها مجلس الوزراء.
الحكومة وجدت نفسها أمام حملة إعلامية كبيرة في هذا الموضوع، فدعت “النائب” لكشف وثائق تثبت أن الهيئة كانت هي من وافق على السعر بـ75 الف دينار للدونم، لكن في الحقيقة ان هذا العمل مثل “ولا تقربوا الصلاة” ، لان الوثائق التي تقدم بها “النائب” الى احد المواقع الالكترونية؛ اثبتت انها ضد الحكومة والنائب وفي صالح قرار الهيئة، إذ إن الكتاب الذي تتغني به الحكومة والذي يشير الى طلب الهيئة من الحكومة الموافقة على بيع الاراضي بقيمة 75 الف دينار ، يتضمن كتابا الى دولة الرئيس يطالب فيه ان يوافق مجلس الوزراء على هذا السعر وليس الهيئة، لأنه خارج اختصاص اللجنة التي قدرت السعر ب250 دينار للمتر، ويأتي كرد على كتاب موجه من الرئيس نفسه يطلب من الهيئة بيع الارض بذلك السعر .
يبدو أن رئيس الوزراء عبد الله النسور لم يتعلم الدروس من قضيتي الكازينو وشاهين، فهما محصلتان لتجاوز قرارات مجلس الوزراء ومخالفة القوانين، ويبدوا ان شعوره بالقوة والاعتزاز بسلطاته نتيجة كثر “السحيجة” في أذنه دفعته للانخراط في مشاريع وصفقات ستزبد من حالة الإحباط في الشارع، وتساهم في عودة قضايا بيع الاراضي التي كانت ملفاتها قد اغلقت قسرا.
دولة الرئيس أتنمى عليك أن تعتذر عما قمت به في صفقة أراضي البحر الميت، وأن تعيد الامور الى نصابها، قبل ان تتفاعل الامور بشكل لا يحمد عقباه، واذا اردت ان تمنح احدا اعفاءات وامتيازات، فهذا حقك، ولكن بالقانون، واذا وجدت ان القانون يعيقك كما في الحالة السابقة فعدل القانون ولا تتطاول عليه.

