خديعة اسمها القمح
لا تفسيرات علمية يُعتدّ بها وراء إصابتي بمرض السيلياك، فالاحتمالات عديدة وغير مثبتة لجميع الدارسين والأطباء الذين يكتفون بتوجيه جملة قاطعة: محروم من القمح ومشتقاته إلى الأبد.
لم يخطر ببال ذلك الفرعوني أو البابلي – وهما يعجنان، للمرة الأولى، جريش القمح بالماء ليفردا الرغيف الأول على نارهما منذ أقل من خمسة آلاف عام – أن ملايين البشر لن يستطيعوا حتى اليوم هضم خبيزهم، لاحتوائه بروتين الجلوتين.
أواجه هذا المرض النادر في منتصف العمر، ما يعني – بحسب طبيبي- التزامي بالحمية الغذائية متخلصاً من نزعات طفولية تحاصر الصبيان وكبار السن كذلك، ليستدير عقب ذلك بكرسيه تجاه الشباك، ويعدّد قائمة الممنوعات.
“ممنوعات” كفيلة بإحداث مجاعة في الشرق العربي الذي يحيا أبناؤه بـ”الغموس” على مائدة محاطة بأرغفة الخبز، ولا يغيب القمح بتنويعاته عنها: برغل، فريكة، سميد، الكبة، المعكرونة.. الخ، غير أن أسباباً “ميتافيزيقية” دفعت إلى انتشار “السيلياك” في أوروبا وأمريكا الشمالية بشكل أوسع رغم عدم اضطرار مواطنيها الاعتماد على الخبز للوصول إلى الشبع!
لن يبخل عليك الخبراء بحرمانك صنفاً جديداً كل يوم، فتُمنع من أغلب الحلويات والكعك والكاتشب والمايونيز ومكعبات الماجي والخل والكاكاو والعلكة… ، وسيزوّق لك الأطباء واختصاصيو التغذية الكارثة مرددين عليك فوائد الاستغناء عن سلسلة لا تنتهي من الأطعمة غير الصحية.
“خبز، حرية، عدالة اجتماعية”، ذلك الشعار الذي رُفع في تونس والقاهرة وعمّان والبحرين ودمشق وصنعاء، وما يزال أبناؤها يختلفون حول الحرية، فيما أنا أقلّب الشاشات المنبعثة دماء وثرثرات، وتفكيري منصب على توفير خبز الذرة أو الأرز.
لست معجباً بنتائج ثورات الخبز “النظامي”، ولا خيار أمامي سوى اجتراح احتجاجات استثنائية أقودها مع رفاق المرض رداً على خديعة القمح المستمرة قروناً، أو السكوت الذي يكلفني شراء خبز ومعكرونة بديلة بخمسة أو ستة أضعاف مثيلتها المصنوعة من الحنطة.
طبقة اجتماعية مستحدثة يوّحدها العداء لـ”الخبز المقدس”، وهي من دون أدنى شك امتداد تاريخي لتراتبية ولدت في أوروبا – أيام ظلاميتها- إذ صنّع خبز خاص للكنيسة، وآخر للنبلاء، وثالث للعامة، ولا ندري ماهية القداسة التي ستحيط بخبزنا المصنوع من الذرة، وهل سيجري تقبيله إذا سقطت “كِسرة” منه على الأرض.
“سقوط” يذكرني بـ 14 كيلو غراماً فقدتها من وزني، وتحاصرني آلام الأمعاء والإسهال والإعياء واضطرابات عصبية في حال تناولي – خلسة أو خطأ- إحدى مشتقات القمح، ولديّ من النقمة ما تكفيني لكتابة سيرة ذاتية تعري مجتمعنا وتفضح أسراره، لعلها تنافس “الخبز الحافي” للكاتب المغربي الراحل محمد شكري.
لا يوجد علاج لمرضي، كما يؤكد اختصاصيو التغذية، محذرين من استخدام مواد جديدة ذات تركيبة “مشبوهة” مثل: الصابون ومطهر الفم ومعجون الأسنان، واستبدالها بالأعشاب الطبيعية لتنظيف الجسم والأسنان.
“شبهات” تثير شهية مشعوذي الطب البديل، ودعاة يتاجرون بالدين وأذكاره التي تشفي كل داء، وأصحاب مولات يستغلون احتكارهم منتجات خالية من الجلوتين، وأنا أصفن بمقطوعة زياد الرحباني “وقمح”.

