تخيل أن تكون قادراً على إرسال حوالة مالية إلى حساب مصرفي لشخص كل ما لديك من معلومات عنه هو رقم الهاتف الجوال. ماذا لو كان بإمكانك أن تدفع ببساطة عن طريق أخذ صورة لشيك وإرسالها عبر البريد الإلكتروني إلى البنك الذي تتعامل معه؟ ماذا عن الخدمة التي تحلل عادات إنفاقك لتقدم لك حسومات على المشتريات المنتظمة؟
هذه ليست أضغاث أحلام، بل أحلام تتحول سريعاً إلى حقيقة واقعة. ففي المملكة المتحدة يطلق “مجلس المدفوعات” والبنوك الرئيسة هذا العام خدمة جديدة تسمح لمستخدمي الهاتف الذكي بالدفع للأصدقاء أو للشركات الصغيرة عبر رسالة نصية – دون معرفة تفاصيل حساباتهم.
وفي الولايات المتحدة يدفع عملاء بانك أوف أمريكا فعلياً، 9 في المائة من الشيكات الخاصة بهم عن طريق إرسال الصور الرقمية عبر البريد الإلكتروني. ولدى بانك أوف أمريكا أيضاً اتفاق مع أربعة آلاف تاجر تجزئة لتقديم ملايين من الدولارات من التخفيضات استناداً إلى أنماط تسوق الأشخاص.
وبالنسبة للمصرفيين الذين يواجهون وابلا شبه يومي من الانتقادات بسبب علاواتهم الضخمة وسوء السلوك المالي، يعتبر وعد التكنولوجيا فرصة للتركيز على شيء إيجابي، ولو من باب التغيير.
ونجت البنوك من أزمتها الوجودية التي نجمت عن سقوط بنك ليمان براذرز، لكنها تواجه الآن أزمة تتعلق بأنموذج الأعمال: إيراداتها في ركود، وتكاليفها كنسبة من الدخل آخذة في الارتفاع، وعوائدها في الغالب دون تكلفة رأس المال.
والتغييرات في سلوك المستهلكين تعمل على ليِّ ذراعها، إذ بات عدد قليل من الأشخاص يذهب إلى فروع البنوك التي تراجع استخدامها بواقع الثلث تقريباً بين عامي 2009 و2012، في حين ارتفعت المعاملات المصرفية عبر الإنترنت بنسبة الثلث، وفقاً لبحث من شركة الاستشارات سيمون كوتشر.
واستجابة لذلك، تغلق البنوك الفروع وتعكف على تجربة أشكال مختلفة، تشمل الآن أكشاكاً صغيرة داخل محال السوبر ماركت، وفروعاً بدون موظفين تضم شاشات تعمل باللمس مثبتة على الجدران، ونظام فيديو مرتبط بممثلي خدمات العملاء. وفي معظم أنحاء آسيا أصبحت فروع سيتي جروب الفائقة التكنولوجيا تبدو أكثر شبهاً بمحال أبل.
وستظل هناك فروع للبنوك، لكن بأعداد أقل. وفي الواقع، بعض الفروع – في مدن مثل لندن ونيويورك وهونج كونج – من المرجح أن تكون أكبر ويعمل فيها مزيد من الموظفين لاستيعاب احتياجات العملاء الأكثر ثراء، الذين يفضلون التحدث إلى المدير.
وبطبيعة الحال، لا شيء من هذا سيكون رخيصاً. وتشير تقديرات KPMG إلى أن الاستثمار في الخدمات المصرفية الأمريكية عبر الإنترنت سيرتفع بنسبة 6 في المائة إلى نحو 11 مليار دولار خلال عامين.
ويعتبر البنك الإسباني BBVA رائداً في مجال التكنولوجيا، بإنفاقه أكثر من مليار يورو سنوياً على تكنولوجيا المعلومات، بما في ذلك منشأة تخزين سحابة إلكترونية داخلية لبيانات العملاء.
وفي الواقع، تسخير قوة السحابة الإلكترونية لتخزين وتحليل بيانات العملاء بثمن رخيص وبسرعة عالية هو الخطوة التالية الواضحة للبنوك. مثلاً، يمكن للبنوك أن تستخدم السحابة للعمل مع أطراف ثالثة وترسل إلى عملاء تلك الأطراف بنوداً تسويقية مستهدفة، وذلك استناداً إلى أنماط الإنفاق. ويمكن أن يشمل ذلك الإشارة إلى أن فاتورة الهاتف الجوال لشخص ما، أو فاتورة الغاز مرتفعة جداً وإرسال عرض آخر من منافس أرخص. ويقول ديفيد ساير، الرئيس العالمي لقطاع التجزئة في شركة KPMG: “كل بنك تتحدث إليه يرغب في أن يصبح موقع الأمازون”.
وفي هونج كونج زودت مجموعة سيتي جروب، بالتعاون مع مجموعة هاتشيسون التابعة إلى “لي كا ـ شينج”، عملاء متاجر التجزئة بخدمة الدفع بواسطة الهاتف الجوال الذي يستخدم التعريف من خلال موجات الراديو (أي دون الحاجة إلى معرفة اسم الشخص) مع تقديم حسومات شخصية استناداً إلى أنماط الإنفاق.
لكن بقدر ما هي فرصة للبنوك تعتبر التكنولوجيا تحدياً بالقدر نفسه. ويوجد لدى العديد من البنوك أنظمة تكنولوجيا معلومات يعود تاريخها إلى الستينيات والسبعينيات، وهي عرضة للأعطال وصيانتها مكلفة. ومع تحقق الناس من حساباتهم المصرفية بصورة منتظمة من خلال الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية، يزداد الضغط على هذه الأنظمة القديمة.
وفي الوقت نفسه، تشهد شركات ناشئة مثل “ليندنج كْلَب” وهي شركة ناشئة تعمل منصة قروض النظير إلى النظير، وشركة سكوير، مزود خدمة الدفع عبر الهاتف الجوال، نمواً سريعاً وتأخذ حصتها في السوق.
واستخدام البنوك للتكنولوجيا الجديدة يثير أيضاً مخاوف بشأن الجريمة الإلكترونية، والخصوصية على شبكة الإنترنت، والمراقبة التي ترعاها الدولة للشبكة العنكبوتية – وكلها قد تؤدي إلى رد فعل عنيف من العملاء والأجهزة التنظيمية على حد سواء. ويقول جوناثان لارسن، رئيس مصرفية التجزئة العالمية في سيتي جروب: “استخدام كلمة سحابة إلكترونية بالنسبة لأي جهاز تنظيمي تشبه استخدام خرقة حمراء بالنسبة للثور”.
لكن أكبر المخاطر بالنسبة للبنوك هو التهاون. مسؤول تنفيذي بارز في بنك كبير قلّل في الفترة الأخيرة من أهمية التحدي من جماعات التكنولوجيا بالقول: “لماذا يرغب أمازون أو جوجل في أن يكونا بنوكاً ويتم تنظيمها على هذا الأساس؟”.
والواقع أن “إي باي” لديه أصلاً ترخيص بالأعمال المصرفية عن طريق الشركة التابعة “باي بال”. وإذا قررت الشركات التي من قبيل جوجل أن هناك قيمة غير مستغلة في بيانات عملاء البنوك، فليس هناك ما يمنعها من القيام بأمر مماثل. وبالنظر إلى مدى استياء الناس من البنوك، وسجلها الضعيف في الابتكار، يجدر بها ألا تستهين بهذا التهديد.

