خواطر عن الخريف… والوقت
مَرَرْتُ مِنْ جانِبْ كَرْمَة في حَديقَة حُلْوَة في الخريف الماضي أَلْهَمَتْ هَذِهِ الأَسْطُر الجَميلَة، انها خواطر حَرًكَتْها بداخلي وُريْقَات الخريف الرَقيقَة و هي تَتَراقَصْ مِنْ الرِيَاح على اغْصَان تِلْكَ الكَرْمَة الناضِجَة، فَقُلْتُ في ذاتي حينها رُبًمَا تَتَراقَصْ تلك الوُرَيْقَات مِنْ الغِبْطَةِ ايضا لِقُدوم الغَيْث مِنْ غَيْم السَمَاء المِعْطَائَة بَعْدَ ثلاثَةْ اشْهُر مِنْ الجَفاف و حَرْ الصَيْف القاتِلْ، فَكَيْفَما فَسًرْنا حَرَكَتَها مَعْ الريح بِصُلْب هَذِهِ الواقِعَة تَكْمُن مُعْجِزَة كُبرى، مُعْجِزَة تَلَوُنْ الأَوْراق…و كأًنً هُنالِكَ مُلْهِمَات ذاتِيَة بِقَلْب شَرايٍنِها الراوية تَقول لها بِكُلْ انْتِظام انْتَهَى الصَيْف و حان وَقْتُ خَريفِكْ الحَنون، فَتَبْدَءْ بإرتداء حُلِي مُلَوًنْ انيق تَتَأَلًقْ بِهِ بكل رَوْعَة، لا تَتَكَلًمْ بَلْ تُخاطِبُكَ بِصَمْت و تَخْلِق مِنْ الجافي حَلاوَة، انها يابِسَة رَقيقَة تَتَدلى لِفَتْرَة مِنْ الوَقْت مِنْ أغْصَان الشَجَر إلا انها تَـتَـلون بِجَمال فائِقْ و بِقُدْرَة تُلْجِم افواه الكَثيرين عَنْ الكَلام، نَبَات حي يُخاطِبَنا بِجَمالِهِ بِصَمْت…بِسُكون…إنًهُ الجَمال الصامِتْ بِعَيْنِه، الجَمال الذي يُغَذي العُيون مِنْ رَوْعَتِهِ…غِذاء روحي يُطْرِبْ الروح و يَخْلِق الكَلَمْ الأنيق لِنَصِفْ ما يُعَمِدْ ابْصَارنا مِنْ مَناظِر مُقَدًسَة طَبيعِيَة، نَنْظُر الى ما أَلْهَمَ فلاسِفَة الإغريق مَعاني الجَمال و تَطْرَب انْفُسَنَا مِنْ مَعْبَدِ نُسَاكِ الطَبيعَة الهائمون بِحُبِ صَنيع الله القَدير، تَتَغَذى عُيونُنا بِجَمَال اعْطَى كَلِمَةَ جَمالِيَة مَعْنَى مِنْ مَعانيها و سَطًرَ بِفَضْلِهِ اكْبَر الفلاسِفَة مَفاهيم انْطَلَقوا مِنْ جَاذيبِيَتِها الى مَصْدَر بَهْجَتِها…الى الله، فَخَلَقَنا الله قادِرين على ادراك و الإسْتِمْتاع بهذا الجَمال لأَنًهُ هُوَ ادْرَكَهُ قَبْلَنَا و خَلَقَ مُعْطاياتِه فَلَوْ لَمْ يُدْرِك الله هذا الجَمَال لَمْ يَخْلِقْهُ بِهَذِهِ الرَوْعَة فَلِذَلِكَ عِنْدَما خَلَقَنا بِأَحْسَن تقويم (كما هُوَ مَذْكور في القرآن الكريم) و في الإنجيل (على صورَتِهِ كَمِثَالِهِ بِعَقْلَنا المُفَكِرْ و نَفْسَنَا الخالِدَة و إرادَتَنا الحُرَة) اعطانا القُدْرَة لِنَعْقِل هذا الجَمال و نُدْرِكُهُ مَعَهُ فَلِذَلِكَ يَطْرَب وُجْدانَنا بِهِ…فَلِذَلِكَ نَقول ايضا انً الله جَميل يُحِبُ الجَمال…و بالتالي نَقول هَذِهِ الثَلاثَة كَلِمات…الله ليس فقط مصدر الحياة بل ان “الله مَصْدَر الجَمال” ايضا،
يُخْبِرُنا الخريف بما يُريد بِثِيابِهِ الأنيقَة الذي يَرْتَديها بهذا المَوْسَمْ البارِدْ…الطَبيعَة مِنْ حَوْلِنا تكون كَلَوْحَة بَهِيَة يَرْسِمُها فَنان على فَتَرات بِريشَة جَميلَة و مُبْدِعَة، فَبِأَوًل ايام هذا الفَصْل المُبارَك تَضَع هَذِهِ الريشَة بَعْض مِنْ ضَرَبات اللون الأَصْفَر على بَعْض وَرَق الشَجَر…فَتُصْبِح مَنْظَر الأشْجَار مَزيج بَيْنَ هَذَينْ اللونين المُمَيَزين، و في اليوم الثاني…رُبَما في الضُحَى الطاهِرْ و اشٍعَةَ الشَمْس الوَضاءَة تَنْشُر سَناها بِحُنو فَوْقَ الأُفُق الرَحْبَة تَنْتَقِلْ ريشَةْ هذا الرَسَام الى اغْصَان الكَرْمَة المُتَسَلِقَة على اعواد الأخْشَاب التي نَصَبَها اصْحَاب الحُقول و المُزارعين و تُلَوِنْ بَعْضْ مِنْ اوراق هذا النَبَات المُتَسَلِقْ بالًلوْن البُرْتُقالي لِتَتَنَقًطْ الدوالي بالأَخْضَر و البُرْتُقالي، فَحينِها يَصْحو بُلْبُلْ الغاب و رُبَما و هُوَ يَغْسِل نَوْمَ الليل عَنْهُ بالنَدَى الطاهِرْ المُنْحَدِر مِنْ عُيون غَيْمات السَماء يُبْصِر هذا المَنْظَر البَهي فَيَفْهَم انً اوان رَحيلِهِ قَدْ حان، يَفْهَمْ انً سُلْطَان الخريف قَدْ حَضَر و لَبِسَتْ الطَبيعَة اجْمَل حُليها و ثِيَابِها طَرَب و فَرَحْ بِقُدومِهِ،
في اليوم الثالث تَنْشُر ريشَة الرَسَام ضَرَباتِها و تُلَوِنْ بَعْض مِنْ الأوراق المُتَدَلِيَة مِنْ الأشْجَار بالأَحْمَر و الأَصْفَر و تُكْمِل زينَة الكَرْمَة باللون البُرْتُقالي لِتَكْتَمِل صورَة الخريف البَهِيَة، فَتَمْتَلئ السَماء باسراب الطُيور المُهاجِرَة الى اراضي يُعَمِدُها دِفْئ الشَمْس اكْثَر و تَزْهو رُباها بِزينَةِ ربائِعْ خَلابَة مورِدَة بأصْنَاف الزَهْر و بالحَياة، و بَعْدَ هِجْرَة هَذِهِ البَلابِل و العَصافير لأَعْشَاشِها تَفْرَغ الوُديان و المُروج الخَضراء مِنْ حِسِها الطَربي…فَتَتَسَاقَطْ الاوراق المُتَلَوِنَة باكِيَة على هِجْرَةِ خِلانِها التي كانَتْ تَضُم اعْشَاشَهم في ظِلِها و بين ثَناياها على اغصان الأشْجَار،
يَخْلِق مِنْ الجافي حَلاوَة، الأيام الماضِيَة مِنْ حياتِنَا كَأَوْراق الخَريف التي تَتَسَاقَطْ مِنْ أغْصَان الأشْجَار…ايام لا تَعود…اوراق تَسْقُط على الارْضِ يابِسَة و تَتَمَزًق بَعْدَها مِنْ النوء و الأمْطَار لِتُصْبِح مِنْ الماضي، لِيَبْقَى فَقَط منها ما تَسْتَطيع ذاكِرَتُنا ان تُخَزِنُه في ذِهْنِنَا…و المُشْكِلَة اننا لا نَتَنَبًهْ لِهَذِهِ الحَقيقَة غالباً إلًا بَعْد فوات الأوان او إذا انْتَبَهْنا لأصوات الوقت…
اصوات الوَقْت…عِنْوان غَريب على البَعْضْ و لَكِنْ قليل منا يُدْرِك ان لِلْوَقْت اصوات واضِحَة جداً نَسْمَعُها حين يُكَلِمَنا الصَمْت…لأنها ناعِمَة…او رُبَما مُهَذَبَة لِدَرَجَةْ الخَجَلْ فَتَعْبُر مِنْ حَوْلِنَا مِنْ دون ان نَشْعُر بها، لو امْتَلئ قَلْبُنَا مِنْ مَحَبًةْ فَنْ الإصْغَاء للاحَظْنَاها…و لَكِنَنَا شَعْب يُحِبْ الضَوْضَاء و الفَوْضَى لِدَرَجَةْ انها تَعْبُر مِنْ حَوْلِنا مِنْ دون ان نَسْمَع صَوْتَها الرَقيق و نُدْرِكُها، فَلِذَلِكَ تَنْقُلُنا هَذِهِ النَغَمَات او الضَرَبات الرَقيقَة مِنْ مَرْحَلَة الى مَرْحَلَة في عُمْرِنَا الذي نَقْضيه في هذا العالم الفاني…مِنْ اولاد رُضَع الى رَيْعَان الشَباب…لِنَطْوي بِسُرْعَة مَعَها ضَوْضَاء الطُفولَة و نَنْضُج أكْثَر يوم بَعْدَ يوم لِتَغْمُرَنَا الحَياة بِكُل مَحَبَة بِحَيَوِيَة النَشَاط و عُنْفوان الشَباب…لِعَقدين مِنْ الزَمَن تَغْلي دِمَائُنا بِحُب الحَيَاة و الإنْجاز و تَمْلَئَها بِضَوْضَاء مَحَبَة بُلوغ احْلامَنَا و نَنْهَمِك بِتَحقيق غَياُتَنا المِهَنِيَة قَبْل انْ تَسْرِق مِنَا هَذِهِ النَغَمَات الرَقيقَة حَيَوِيَة هذا الشَباب الرائِعْ و تَنْقُلُنا الى مَكْبَر يَضْعُفُ بِهِ تَمَسُكَنا بالحَيَاة…فَتَخِفُ الضَوْضَاء مِنْ حَيَاتِنَا لِنَتَيَقًظْ…أنًها مَوْجودَة…انًهُ لَمْ يَتَبَقى لنا مُتَسَعْ مِنْ الوَقَتْ بِهَذِهِ الدُنيا المادِيَة…لِتُصْبِح هَذِهِ النَغَماتْ الرَقيقَة مَوْضِعَ اهْتِمامَنا…بَلْ مَوْضِعَ كُلٍ تَرْكيزِنا كَبَشَرْ…رُبَما سَنَنْهَمِكْ بِهَذِهِ اللحَظَات الحاسِمَة بأُلبومَات صُوَرِنَا…لِنُرَتِب الصُوَر الفوتوغرافِيَا التي تَحْمِل ذِكْرَيَات طُفولَتِنَا جَنْباً الى حَنْب في داخِلِها…ورُبَمَا سَنَضَعْ صُوَر شَبابَنَا و ذِكْرَيات جامِعَتَنَا و الًلحَظَات المِهَنِيَة التي مَرَرْنَا بها في بَراويز خَشَبِيَة و نُوَزِعَهَا على طاوِلاتْ و ارْفُفْ اثاث المَنْزِل كَزينَة بَهيجَة لأَيًامِنَا التي مَضَتْ خِلْسَةً مِنْ دون انْ نَشْعُر بها…لِنَجْلِس بأواخر ايامِنَا مَعْ اوْلادِنَا و رُبَما إذا اعْطَانا الله طُولَ العُمْر مَعْ احْفادِنَا…نُريهُم تِلْكَ الصُوَر و انْجازاتِنا و أهَمْ مراحِلْ حياتَنَا…و هَذِهِ النَغَمات بِصَميم واقِعَنَا يَعْزِفُها وَقْتٌ ازلي لا يَتَوَقَفْ بَتاتاً لِذَلِكَ…و حين يَكْسي رأسَنَا الشَيْب…رُبما…سَنَضًطًرُ لِسَرِقَةْ كُل لَحْظَة سَعَادَة مُمْكِنَة مِنْ عقارِبْ الوَقْت التي تَتَحَرًكْ على ساعَة جِدار مَنْزِلَنَا…بَلْ رُبَما سَنَقْطِفْها مِنْ شَجَر اللًوْز الذي تَربى بِجَانِبْ بَيْتِنَا و كَبُرَ و لَبِسَ الشَيْخوخَة مَعْ نَغَمات عَقْرَب الثَواني و نَغَمَاتُه الرَقيقَة التي تَعْبُر بِحَياتِنَا الى لَحَظات سَنُقابِلْ الرَبْ تَعالى بِهَا…نَقْطِفْ كُلْ ضَحِكَة مُمْكِنَة لِنُضيفَها الى مَكْنوز حَياتِنَا الأرْضِيَة مِنْ الوَرْد الأحْمَر الذي يُجَدِدْ عُنْفوان عَطائِهِ و تَتَجَدًدْ وُريقَاتِهِ مَعْ كُلِ اطْلالَة ربيع تُعانِقْ حَياتَنَا كَبَشَرْ…نَقْطِفُ لَحَظات السَعادَة مِنْ غُيوم السَماء التي تُمْطِر مِنْ فَيْضِ مرَاحِم الرَبْ الغَفيرَة عَلينَا…فَمَعْ كُلِ قَطْرَةٍ رَقيقَة تَطْرُق نافِذَتْ بَيْتِنا الدافِئْ تُغازِلْ بِرِقًتِها صَوْت عَقْرَبِ الثواني بِدَقاتِهِ الرَقيقَة…و الذي غالباً لا نَسْمَعُهُ مِنْ ضَوْضَاء حياتِنَا كَبَشَر سَنَتَذَكَر…كَمْ حَياتِنَا سريعَة على هَذِهِ الأرْض…تَمْضي بِطَرْفَةِ

