صحيفة الكترونية اردنية شاملة

لَا فَقْرَ أشدَّ مِنَ الجَهْلِ

0

يحدث أحيانا ان يخطأ أحدهم فيما ينشر، وهذا كلام مقبول طبعاً. على إعتبار أن لا أحد منزه عن الخطأ، حتى لو كان قائد رأي أو اكاديمي. لكن المستغرب حقاً هنا، هو ما أن يأخذ أحد العقلاء على عاتقه مهمة تصحيح الخطأ الا ويباغته على حين غره من يعرف بالعامية (بالسحيج) ، ليتولى مهمة الدفاع عن الخطأ اللغوي او اللفظي، بل وحتى يتبنى وجهة النظر المغلوطة بطبيعة الحال. ولا يتوقف عند ذلك الحد بتاتاً، بل ويتشبث برأيه بعنجهية حتى لو أقر- بجسارةٍ- قائد الرأي (وهو أكاديمي في قصتنا هذه) لاحقاً بزلته غير المقصودة طبعاً.

أما ما يدعو للدهشة، فهو غفلة هؤلاء المسحجين الذين ينبرون للدفاع، حيث أنهم ولحلكة الظلام المخيم على عقولهم يَدَعون ما لا يبطنون وبدون وعي في أحيانٍ كثيرة، مجدداً بهدف التسحيج لقائد الرأي آنف الذكر. وتكون منطلقاتهم على الأرجح نابعةً من الجهل المكتنف في أعماقهم ملقياً غشاوةً على أعينهم ليضلهم في الظلمات مُمترين.

والأسى هنا لا ينحصر فقط كون “أن نصف العلم أشدُ من الجهل” وحسب، والمتمثل في قيام بعض من يعتبرون قادة الرأي بتبني آراء مترجمة من جوجل، بدون تصحيحها وتنقيحها حتى يحالفها الصواب قبل نشرها على صفحاتهم. بل ويمتد ليشمل أيضاً، من يتلقف بدون أي تحليل أو تَفَكُر لما يلقى عليه. أما من يثير الحفيظة بحق، فهو من يقرأ ثم يناقش دون أن يفهم وبالتالي يسهم بشكلٍ مباشرٍ في ترسيخ قواعد مستحدثة للخطأ، والذي هو بالأصل نشر سهواً على صفحة قائد الرأي الواسعة الإنتشار، والبالغة التأثير بمتابعينها. أما هؤلاء المتابعون والذين هم في كثيرٍ من الأحيان، يمثلون تلك الشرائح من الاجيال الناشئة التي ما يفتأ الجهل أن ينشب أنيابه في عقولهم يوماً بعد يوم.

أفلحت حين اختارت دول الشمال الغزو الثقافي كوسيلةٍ ناجعةٍ، للجم عقل وفكر مجتمعات دول الجنوب بل وحتى مُقَدراتها. لعلم تلك الدول الغازية، ونتيجةٍ لدراسات وابحاث اجتماعية مسبقة، أن البنى الإجتماعية والفكرية لدول الجنوب ذات قواعد خصبة تدفعها لتنتشي عند تلقفها ما يلقى عليها من تراهات، طالما انها قادمة من الشمال.

وعلى نطاق المجتمع ذاته، ونتيجة للإطاحة بقيم مجتمعية معينة، وإبتداع قيم بديلة معيبة بدلاً منها. فان تلك المجتمعات تتبنى على مستوى الأفراد ما يلقيه عليها قائد الرأي -أياً كان- وطبعاً بسلبية بالغة على صعيد عملية التفاعل المجتمعي. وتختزل العملية التفاعلية الى إتجاهٍ واحد من الأعلى الى الأسفل. فبعد أن نزع المجتمع بأفراده رداء النقد الإيجابي البناء، وأرتدى بدلاً عنه رداء التلقي السلبي. ينزع هؤلاء الأفراد عن قادة الرأي إحدى صفاتهم الإنسانية، وهي إحتمالية جنوح أفكارهم نحو الخطأ حتى ولو داعبت الصواب. وبهذا يجثو كامل المجتمع مكبلاً، خانعاً، مستقبلاً، ليتأثر بل وليتفاعل طبقاً لما يعرف بنظرية سلوك القطيع.

ما إستوقفني هنا، الآليات والقوى الدافعة التي عملت وتعمل تدريجاً على تحويل قطار المجتمع برمته عن مساره. وذلك لتقديري بأن عملية غرس القيم الجديدة -التي يجانبها الصواب-، ما هي الا عميلة مستمرة لكونها ذاتية الدفع وتغذي نفسها تلقائياً، مما يؤطر مستقبلاً الى زيادة في سعة الفجوة المعرفية التي لطالما تداولها كثيرٌ من منظري علم تقنية الإتصال الجماهيري.

أما المستهدف من تلك العملية من وجهة نظري فهم بذار المجتمع، وحملة لواءه مستقبلاً حيث – كما ظهر جلياً فى العقود الأخيرة – فقد بدأ يطفو الى السطح جيلٌ اكتسب أكثر محصوله في حقول المعرفة والسياسة والتاريخ والجغرافيا وحتى الدين من الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي على وجه التحديد. ومعظم هذا الجيل لم يعرف الكتاب وينهل منه، واكتفوا كغيرهم من شعوب العالم الرابع باستيراد ما تصدره دول الشمال. كما اسفلنا مسبقاً هو غزوٌ ثقافيٌ بامتياز، استقبلته الامة بصدرٍ رحب يوم اختارت بارادة حرة الابتعاد عن البحث العلمي والسباحة على سطح البرك الراكدة. فتجافي الصواب وتعانق الباطل تحت جُنح ظلمات الجهل….

فالجهل مثلبة، لم ولن تولد إلا الجهل..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.