الكعكة الحمراء تحت قبة البرلمان . . !
يتميز مجلس النواب الأردني السابع عشر عن بقية مجالس الشعب في دول العالم ، بأنه يجمع بين المتناقضات الرسمية والخاصة . فنوابنا الأكارم يعتبرون الوصول إلى قبة البرلمان ، استثمارا سهلا لا يدانيه استثمار آخر ، في تحقيق الوجاهة والمصالح الشخصية . ولكن البعض منهم يوغل في استغلال هذا الوضع ، واعتماده كوسيلة للنفاق والتقرب من صانع القرار قولا وعملا .
فمهمة النائب كما هو معروف تمثيل ناخبيه ، والدفاع عن حقوقهم وعن مصالح الوطن . إلا أننا نلاحظ هذه الأيام أن بعض السادة النواب ، يضعون مصالحهم الخاصة فوق مصالح ناخبيهم ومصالح الوطن في شتى المجالات . فعلى سبيل المثال نجد عددا كبيرا منهم يتغيبون عن الجلسات ، وأحيانا يُفقدون الجلسة نصابها القانوني ، في محاولة لتعطيل البحث في مشاريع وقوانين هامة ، تنعكس بنتائجها على المواطنين . ولكنهم من ناحية أخرى يستغلون صفتهم التشريعية ويحرصون على حضور الجلسات ، التي يُناقش بها قوانين وأنظمة تعود بالنفع عليهم ، متجاهلين الوضع السائد في الدولة ماليا واجتماعيا بشكل عام .
ومن الأمور المُسيئة التي بدأنا نلاحظها في السنوات الأخيرة ، هي تحوّل قاعة المجلس تحت قبة البرلمان إلى مهمة تخالف مهمتها الرئيسية . فتارة تصبح قاعة للتسلية وتوزيع المكسرات من قبل أحد النواب على زملائه في الجلسات الرسمية ، وتارة أخرى تتحول إلى ساحة للملاكمة يتدخل بها الحجّازون لفرض الهدنة على الأطراف المتصارعة ، وحينا آخر تتحول إلى ميدان للرماية الحية مع سوء في التصويب على الهدف.
وخلال هذا الاسبوع ظهرت بدعة جديدة في أروقة المجلس كان بطلها أحد النواب ، عندما تقدم حاملا على رأسه كعكة ضخمة متشحة باللون الأحمر ، ويرفع بيده عددا كبيرا من البالونات الملونة والمملوءة بالهواء مربوطة بخيط رفيع ، معلنا بأنه سيحتفل مع زملائه في المجلس بعيد ميلاد جلالة الملك المعظم . فحوّل قاعة المجلس الرسمية والمخصصة لتداول قضايا الوطن ، إلى ما يشبه مسرح للأطفال تطفأ فيه الشموع وتوزع قطع الكيك على المحتفلين .
تصرّف غريب من نائب يفترض به أن يكون قدوة للمواطنين في سلوكه وأعماله والحفاظ على حرمة المجلس . فالإخلاص للملك والاحتفال بعيد ميلاده لا يتم بالتزلف والحركات الاستعراضية الرخيصة ، بل بالحرص على أداء العمل كل في مجاله وبما يخدم الوطن والمواطنين . وجلالة الملك هو من ألغى الاحتفال رسميا بعيد ميلاده المصادف 30 كانون ثاني من كل عام . وطلب اعتباره يوم عمل تتعزز به قدرات الوطن ، لا يوم استرخاء وكسل تتعطل به مصالح الناس . فالرابط الذي يجمع بين الملك وشعبه أقوى من تلك المظاهر السطحية .
كان يمكن لذلك النائب أن يحتفل بعيد ميلاد جلالته ، بالاستفادة من الكعكة الصفراء في مفاعلات طوقان النووية ، والاجتماع بناخبيه ليشرح لهم ما تتناقله الأخبار عن المباحثات الفلسطينية الإسرائيلية ، وما تسرب عن خطة كيري وزير الخارجية الأمريكي ، وبيان تأثيرها على مستقبل الأردن في حالة كونها صحيحة . وبهذا العمل يقدم النائب خدمة للملك وللشعبين الأردني والفلسطيني في هذا الوقت العصيب .
ورغم أنني أحترم غالبية أعضاء مجلس النواب ، إلا أنني أشعر بالأسف لصدور ذلك التصرف من قبل أحد أعضائه ، ليجعل المجلس مهزلة أمام الآخرين ، ويسقط هيبته أمام المراقبين في الداخل والخارج . وإلى كعكة نيابية جديدة . . كل عام وأنتم بخير . . !

