سرّوش وقراءة جديدة لنظرية التعددية الدينية
تقوم فكرة كتاب المفكر عبدالكريم سرّوش “الصراطات المستقيمة”، على التعدديّة الدينيّة، وضرورة نشرها وترسيخها، باعتبارها ضروريّة للتقدّم والاقتراب من الصواب؛ ولأنها حقيقة واقعة تعكس تعدّد التجارب والأفهام للنصوص الدينية، أو كما يقول سرّوش حقيقة واحدة ومحاولات كثيرة لمعرفتها وإدراكها، فالمعرفة والصواب نسبيان.
يقول شروس الذي يعمل أستاذاً للعلوم والفلسفة بجامعة طهران، وقد تخرج في جامعة لندن في الكيمياء، لكنه جمع مع تخصصه العلمي دراسات واسعة في الفلسفة والدين: إنّ فكرة التعددية قديمة في الفكر البشري، وموجودة في الفكر الإسلامي. وتقوم أطروحته للتعددية على فكرتين: التعدد في الأفهام بالنسبة للمتون الدينية؛ والتنوع في التفسير والتجارب الدينية. فالنصّ صامت، ونحن نسعى باستمرار إلى فهم النصوص الدينية وتفسيرها من خلال الاستعانة بأفكارنا وتجاربنا وافتراضاتنا وتوقعاتنا المسبقة، والأسئلة التي تدور في أذهاننا. ولا يوجد، بطبيعة الحال، تفسير من غير أسئلة وتوقعات وفرضيات مسبقة. وهذه الفرضيات مستوحاة من خارج الدين، والفضاء المعرفي خارج الدين متدفق ومتراكم ومتغير. ولهذا، ستكون التفسيرات متنوعة ومتغيرة. والحال أنه لا يوجد دين من غير تفاسير.
لقد خُتمت النبوّة، ولكن لم تختم التفاسير؛ هذا مقتضى الدين ومقتضى البشرية، فلا يوجد تفسير رسمي واحد للدين. ففي المعرفة الدينية، كما هي الحال في سائر المعارف البشرية، لا يكون قول أحد حجة تعبدية على شخص آخر، ولا يوجد أيّ فهم مقدّس وخارج حدود النقد؛ يصدق هذا الكلام في الكيمياء مثلاً، كما يصدق في الفقه والتفسير.
ويشير شروس إلى مقالة كتبها “جون هيك” بعنوان “هل يعبد المسلمون والمسيحيون واليهود إلها واحداً؟”، يقول فيها إنّ التعددية الدينية مردّها إلى تراكم المعارف والحقائق. والمعروف عن “هيك” أنه أستاذ فلسفة الدين، وهو يؤمن بالتعددية الدينية، وتحمّل لأجل ذلك نقداً مسيحياً.
ويقول الفيلسوف البريطاني والتر أستيس في كتابه “التصوف والفلسفة”، إنّ البوذيين كونهم يفتقدون نظريات في دائرة الألوهية ولا يعبدون الله ظاهراً، بل يعبدون الأوثان، إلا أنهم يعيشون التجربة الإلهية في قلوبهم؛ أي ليس لهم نظرية عن الله، لكنهم يمتلكون تجربة عن الله.
ويستحضر شروس من التجربة الصوفية التي استوعبها تأملات في المسألة؛ يقول جلال الدين الرومي في ديوانه “المثنوي”: “من خلال المنظر يا عقل الموجود يختلف المؤمن والمجوسي واليهودي”؛ بمعنى أنّ الاختلاف بين هذه الأديان هو اختلاف في الرؤية والمنظر، وليس اختلافاً في دائرة الحق والباطل.
ويبيّن الرومي أنه كلما ارتقينا في عالم التنزيه، نبتلي بشوائب التشبيه، لأننا نستوحي من قوالبنا الذهنية لوصف الله تعالى، وننظر إلى الذات المقدسة من خلال رؤية خاصة لا تنفك عن وجودنا؛ فلا يوجد إنسان متحرر من التشبيه يمكن أن يدرك الذات المقدسة إدراكاً كاملاً وكما هي، بتجريد تام للذهن من جميع العوارض والصفات البشرية.
ويقول شروس، إنّ أول من غرس بذور التعدديّة في العالم هو الله تعالى الذي أرسل رسلاً وأنبياء مختلفين، وتجلى لكلّ واحد منهم بمظهر خاص، وبعث كلّ واحد منهم إلى مجتمع خاص، ورسم تفسيراً للحقيقة المطلقة في ذهن كلّ واحد منهم يختلف عن الآخر. وتعدّد التفاسير يمثل في الواقع وجوهاً متعددة للحقيقة؛ فالحقيقة لا تتمثل في مظهر واحد، ولا تتمتّع بوجوه متعددة فحسب، بل إنّ رؤية الناظرين لهذه الحقيقة بمناظر متعددة له دخل بتنوع التفاسير لها، ويشير المولوي (جلال الدين الرومي) إلى هذا المعنى بقوله: “أنت لست واحداً أيها الرفيق، بل دوامات وبحر عميق”.
ويخلص شروس إلى أنّ التعددية هي الإذعان لرحمة الله الواسعة، والاعتراف بنجاح الأنبياء في مهمتهم الرسالية، وضعف كيد الشيطان، ورؤية رحمة الله الواسعة منبسطة في جميع أرجاء الوجود. ويرى في قوله تعالى: “أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها”، أنّ عدم الخلوص في أمور العالم لا يمكن إنكاره؛ فلا شيء في هذا العالم يعكس حالة الخلوص في نفسه، إذ لا يوجد حق صريح وباطل صريح، ومثل هذا الدين لا يمكن ولا يصح تحميله أكثر من اللازم، ولا يصح انتزاع وعود كثيرة من نصوصه، ولا يمكن خلق سلوكيات كثيرة بالاستناد إليه، ولا طريق أمامنا سوى قبول الكثرة.
الغد

