رسالة من المركزي لـ’المالية’
في اللقاء الذي نظمته جمعية البنوك في الأردن نهاية الاسبوع الماضي، والذي جمع مختلف الفعاليات الاقتصادية مع محافظ البنك المركزي الدكتور زياد فريز، تحدث الأخير بإسهاب عن الوضع الاقتصادي الذي تمر به المملكة، والتحديات التي تلقي بظلالها على الأداء الاقتصادي في المستقبل القريب.
المحافظ في كلمته لبس قبعتين، إحداهما للمركزي والأخرى للمالية، وتحدث بتفاؤل مطلق عما حققته السياستين المالية والنقدية في العامين المنصرمين، علما بأن الأرقام والحقائق الاقتصادية التي تحققت تشير إلى اختلاف النتائج لكلا السياستين.
ما حققته السياسة النقدية بقيادة البنك المركزي جدير بالتقدير والثناء، وأقول بصراحة إن جهاز البنك المركزي هو من أكثر الأجهزة الرسمية عقلانية ورشدا في التعامل مع الواقع الاقتصادي وتحدياته، وبات فعلا مؤسسة بكل ما في الكلمة من معنى؛ نتيجة الاتزان بسياسته التي جنبت المملكة مزيدا من الاختلالات والتراجع الاقتصادي.
لا أحد ينكر أن الأدوات التي اتخذتها السياسة النقدية العام الماضي عززت الثقة بالاقتصاد الأردني، وغطت على الفشل الحكومي في إدارة الاقتصاد، واستطاعت المحافظة على سعر صرف قوي، وتعزيز السيولة للقطاعين العام والخاص دون الإضرار ببيئة الأعمال المحلية، ناهيك من أن قرارات تخفيض أسعار الفائدة التي كان لها أثر إيجابي نوعي في تعزيز نظرة رجال الأعمال إلى بيئة الاستثمار في المملكة، اضافة إلى السياسات التي اتبعت لإعادة بناء احتياطات المملكة من العملات الأجنبية والتي وصلت اليوم إلى مستويات آمنة.
أما دفاع محافظ البنك المركزي عن السياسة المالية، واعتبار موازنة 2014 أنها شيء مميز، “ما كان بالامكان أفضل مما كان” كما وصفها، فإن الأرقام والنتائج المالية التي تحققت على أرض الواقع في سنة 2013، وما تم تقديره لسنة 2014 مخالف تماما للنتائج الايجابية التي تحققت على صعيد السياسة النقدية، ولا يساهم بالحفاظ على ما تم انجازه في هذا المجال.
فالنتائج تشير إلى أن جميع تقديرات موازنة 2013 كانت غير صحيحة على الاطلاق، من حيث العجز والايرادات والنفقات، ولولا تدفق المساعدات الخارجية بشكل استثنائي في عام 2013 والتي بلغت 3.4 مليار دولار، وحالة الانفاق الكبير التي ولدها وجود 1.7 مليون سوري في المملكة، لما تحقق النمو المتواضع التي تتغنى به الحكومة، ولكان الاقتصاد في خبر كان.
أما في 2014، فلا يوجد ما يبشر بأن الحكومة أخذت الدروس مما حدث في عام 2013، فأرقام العجز والدين والنفقات كلها في نمو سالب، ووصلت إلى مستويات غير آمنة على الرغم من أن الجميع كان بانتظار موازنة اصلاحية تعكس القرارات الحكومة بازالة الدعم، وتدفق المساعدات على تقليص العجز وتخفيض النفقات والحد من عمليات الاقتراض غير المبررة، ليتفاجأ الرأي العام بنمو غير مسبوق في تلك البنود، مما يقوض عمليات الاستقرار المالي.
علينا التمييز بين ما تحقق على صعيد السياسة النقدية بقيادة المركزي، وهو أمر إيجابي يستحق الشكر لكل العاملين فيه على ما بذلوه، وبين ما تحقق على صعيد السياسة المالية، وهو أمر سلبي يستحق المساءلة والمحاسبة لكل الطاقم الحكومي خاصة الفريق الوزاري الاقتصادي.
بعض الأصدقاء الذين حضروا لقاء جمعية البنوك لم يتفاجأوا بكلمة محافظ البنك المركزي وثنائه على السياسة المالية، واعتبروا الحديث هو بمثابة رسالة خفية بعثها المحافظ لزميله بالفريق الاقتصادي وزير المالية؛ مفادها الدعوة الى المزيد من الاصلاحات وضبط النفقات والعجز والتصدي للمديونية، بعد أن وصلت بعض المؤشرات الى مستويات غير آمنة، واللبيب من الإشارة يفهم.
[email protected]
[email protected]

