صحيفة الكترونية اردنية شاملة

المهمشون في الأرض

0

المعجز في الرواية الحديثة (الناجحة بالطبع، كما هي حال الأفلام الناجحة أيضا)، أنها تنشئ عالما يشد القارئ ويمتعه، من غير سرد ولا حكايات متتابعة. ثم يجد القارئ أنه موضوع الرواية، كأنها روايته هو.

وفي رواية هاشم غرايبة “القط الذي علمني الطيران”، فإنه عندما ينشئ هذا العالم، تجد أنك المعتقل أو المهمش/ المنبوذ، وأن العالم المحيط هو سجن. فتعيد تشكيل الحياة والمجتمع والناس كما السجن والسجانون والإدارة والمعتقلون.
كأن عماد الذي يتحدث عنه هاشم، هو أنا. كأنه (عماد) ليس السجين، ولكنه أمين المكتبة المهمش بلا سبب؛ يقبع في طابق تحت أرضي (مستودع).
كنت أشعر (وما أزال بالطبع) أنني، بسبب انتمائي الفكري والسياسي، هامشي أو مهمش. ويحق للآخر أن يهمشك، وأنت تتقبل التهميش. المدير يعاقبك لسبب آخر مستقل عن السياسة.
كنت أقبع تحت الأرض في مكتب مظلم قذر، أحرس الفئران والصراصير. هنا، يكون عطا مدير السجن، هو المدير العام، والذي جاء مديرا عاما بالدرجة العليا بلا أدنى علاقة بالكتب والثقافة. كان مديري، رحمه الله، يكره الكتب والثقافة، وأظن أنه كان محقا في ذلك. فلا بد أنه من الأفضل لأكوام المجلات والكتب المكدسة في الطابق تحت الأرضي، أن تباع لمصنع الورق. وهذا كان أفضل ما يفعله رحمه الله. شاحنة كبيرة تتوقف في ساحة المكتبة، وينقل إليها العمال أعدادا هائلة ورائعة من المجلات العظيمة؛ “الثقافة العالمية” و”الناقد” و”الآداب” و”دير شبيغل”.. كل المجلات التي كانت تصل إلى الأردن كان على الموزع أن يودع منها نسختين أو ثلاثا في دائرة المطبوعات والنشر. وتتحول هذه الإيداعات إلى أكوام في المكتبة الوطنية، لتأتي لاحقاً شاحنة لمصنع الورق، تفرمها وتحولها (ربما) إلى ورق “تواليت” وحفاظات أطفال!
عكفت في مكتبي المظلم أقرأ باستمتاع ونهم. وعندما تشعر أنك مهمش، “تطنش” العالم. للسبب نفسه، فإن عمال المياومة أو بأجور زهيدة، أو العاملين في ظروف صعبة، يتركون عملهم ببساطة، ويستمتعون بتركه من دون أن يخبروا صاحب العمل.
كنت أشعر أنني أعاقب المدير والحكومة بإظهار لامبالاتي تجاه كل شيء. لكن أسوأ ما فعلته، أن زميلي الذي سبقني إلى العمل، ويقبع معي في المكتب البائس، كان سعيدا في عمله ومجدا، يقبل على المجلات والصحف؛ يرتبها ويسجلها ويجلدها. لم أكن متعاونا معه. قلت له هذا عمل بائس، ليست وظيفتك أن تحرس المكان. بدأ هو، ففقد حماسه للعمل، ثم قدم استقالته. قال للمدير مرة: هذا عمل لا يحتاج إلى أمين مكتبة.
ثم استقلت أنا. لا أدري إن كان ذلك خطأ أم صوابا؛ فقد كنت مستمتعا بالتهميش، لأن أحدا لم يكن يسألني عن شيء، وكان ذلك يساعدني في القراءة والكتابة بلا إزعاج ولا منغصات.
كنت أظن ان البؤس في المكتبة البائسة. ولكني وجدتها أقل بؤسا من العالم. ظل فقدان المعنى والجدوى يطاردني.
هاشم غرايبة يردّنا إلى الحقيقة العارية: أننا حين نفقد المعنى والجدوى، نتحول إلى معتقلين. يستوي في ذلك المعتقل عماد، وعطا السجان، والمديرون والأساتذة والوزراء.. ما العالم سوى هامش!

الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.