دراسة:قوّة ‘داعش’ تكمن في مستوى إجرامه
لخص تقدير موقف صدر حديثا عن المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات الصراع الدموي العنيف الذي يخوضه الثوار السوريين ضد تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام “داعش” بانها معركة انطلقت، وسوف تتطوّر وتتّسع، حتى تستعيد الثورة السوريّة نفسها.
ووفق تقدير المركز الذي جاء تحت عنوان “انطلاق المواجهة مع “داعش” على أبواب جنيف” فإن هذه المعركة كشفت – وإن كان متوقّعًا أن تكون طويلة وصعبة – حجم قوّة “داعش” العسكريّة المحدودة؛ بعكس ما كان يروج في أوساط الجهاديين، وفي دوائر الإعلام الغربي.
وقال المركز؛ بدَا واضحًا أنّ قوّة “داعش” تكمن في مستوى إجرامه، وخوف المجتمع منه، وفي هذا قدّم “داعش” نموذجًا منفرًا لكثير من شرائح المجتمع السوري في ما يتعلّق بطروحاته عن الدولة الإسلامية، وتحكيم الشرع بالقوّة والإكراه.
المفارقة إشارة تقدير الموقف من أن المواجهات كشفت حجم تلاقي المصالح بين “داعش” والنظام السوري، بخاصة عندما هدّد “داعش” ونفّذ تهديداته بإخلاء مناطقه للنظام؛ كما حصل في حيّ النقارين في حلب.
واضاف لا يمكن لمراقبٍ أن تفوته ملاحظة حجم الإرباك الذي تسبّب فيه اجتماع فصائل المعارضة السوريّة على قتال “داعش” وإخراجه؛ فقد كان النظام مرتاحًا لتضاعف نفوذ الجهاديين، لأنّ ذلك يعزّز من جهة روايته عن الثورة منذ البداية بأنّها “مؤامرة سلفية إرهابية” تستهدف “علمانيّته وتسامحه”، ومن جهة أخرى أضعف ذلك قدرته على توظيف مسألة الجهاديين، لإعادة تأهيل نفسه دوليًّا بوصفه طرفًا معترفًا به في “مكافحة الإرهاب”.
ولاحظ التقدير “اجتماع فصائل المعارضة لأوّل مرة منذ عسكرة الثورة على قتال “داعش”. وقال: إن ذلك يُعدّ فرصةً لبناء جسمٍ عسكري موحّد يكون نواةً لجيشٍ وطني يمثّل الثورة وأهدافها، ويضمّ الفصائل العسكرية بمختلف توجّهاتها الفكرية والسياسية، بعد أن يكون هناك موقف واضح وصريح جرى اتّخاذه من التنظيمات التي أضرّت بالثورة سياسيًّا وعسكريًّا”.
وكانت شهدت مناطق عدّة من شمال سورية مواجهاتٍ عنيفة بين فصائل إسلاميّة وكتائب من الجيش الحرّ من جهة، وتنظيم دولة الإسلام في العراق والشام “داعش” من جهةٍ أخرى. وحصل ذلك إثر تجهّز “داعش” لاقتحام مدينة الأتارب ومعبر باب الهوى في ريف حلب الغربي؛ وهما منطقتان تسيطر عليهما المعارضة منذ أكثر من عام، الأمر الذي دفع فصائل منضوية في جيش المجاهدين إلى مهاجمة مقارّ داعش في كانون الثاني / يناير 2014) في الأتارب، وفي الأحياء الغربية لمدينة حلب. ولم تمض ساعات حتى أعلنت جبهة ثوّار سورية مشاركتها؛ فاقتحمت غالبية مقارّ “داعش” في ريف إدلب. وشاركت فصائل من الجبهة الإسلامية، فحاصرت مقرّ داعش الرئيس في محافظة إدلب (بلدة الدانا)، واشتبكت معه في ريف حلب الشمالي والغربي، والرقّة. ونتيجة لذلك، انسحب مقاتلو “داعش” إلى الرقّة وأعادوا تجمّعهم هناك، وقاموا بهجوم مضادّ استخدموا فيه السيارات المفخّخة والعمليات الانتحارية؛ لإعادة السيطرة على المناطق التي فقدوها.
واصدر التنظيم في حينه بيانًا يوم 4 كانون الثاني 2014 أمهل فيه الفصائل التي تحاربه 24 ساعة لإيقاف الهجمات ضدّه، ورفع الحواجز أمام حركة مقاتليه، وإطلاق جميع أسراه، وهدّد بالتصعيد والانسحاب من جبهات القتال مع النظام في حلب (الشيخ سعيد، والنقارين)، وقد نفذ تهديده بالفعل.
المعركة المؤجّلة
وأعاد تقدير المركز العربي بداية الصدام بين داعش من جهة والجهاديّين وفصائل المعارضة من جهة أخرى إلى شهر نيسان 2013؛ بعد أن أعلن زعيم تنظيم دولة العراق الإسلامية أبو بكر البغدادي في 9 نيسان 2013 اندماج فصيله والنصرة في جسم واحد سمّاه “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، انضمّ غالبية المقاتلين الأجانب (المهاجرون) إلى التنظيم الجديد، و”بايعوه” أميرًا عليهم، وهاجموا مقارّ “جبهة النصرة” في حلب وإدلب والرقّة، واستولوا عليها بالقوة. ومنذ ذلك الحين، بدأ “داعش” الاستيلاء على المناطق “المحرّرة” بقوّة السلاح.
وأجبر الكتائب الصغيرة والعشائر والأهالي في المناطق التي يحتلّها على بيعة أميره البغدادي. وفرض عليهم الاحتكام إلى محاكمه الشرعية، والتعلّم في كتاتيبه ومدارسه. وارتكب جرائم قتل وإعدام كثيرة، بذرائع عدة. وقيّد مقاتلوه حياة المدنيين؛ فأجبروا النساء على ارتداء الحجاب والنقاب، ومنعوا الاختلاط، وأغلقوا المسارح والمعارض الفنّية، وهاجموا الأديرة، وحوّلوا الكنائس إلى مقارّ لهم، ومنعوا رفع علم الثورة، وقتلوا النشطاء والإعلاميين واعتقلوهم بذريعة العمالة للائتلاف الوطني “العميل” بدوره لأميركا.
وتفرّغ مقاتلو “داعش” تفرّغًا شبه كامل لمحاربة كتائب المعارضة بذريعة “الكفر”، و”الردّة”، و”تشيكل صحوات”، و”التعاون مع الأميركان “… وغير ذلك؛ فهاجموا الكثير من المقارّ، واغتالوا الكثير من القيادات؛ وساهم ذلك في زيادة حالة الاحتقان الشعبي ضدّ “داعش”، ما دفع الروابط والهيئات الإسلامية السورية إلى إصدار بيان في 22 كانون الأوّل 2013 اتّهمت فيه “داعش” بتعمّد افتعال الخلافات مع فصائل المعارضة، ودعته إلى عدم التدخّل في شؤون السوريين، والكفّ عمّا وصفته بالتصرّفات التي تدعو إلى الفتنة والشرّ.
وفي بيان أصدره في 1 كانون الثاني / 2014، وصف الائتلاف الوطني المعارض تنظيم “داعش” بـ “الإرهابي”.
ولفت إلى أنّ علاقة عضوية تربطه مع النظام السوري، وأنّ “سيل دماء السوريين على يد هذا التنظيم رفع الشكّ نهائيًّا عن طبيعته الإرهابية والمعادية للثورة”.
على أهمّيتها، لم تمثّل المعطيات السابقة دافعًا رئيسًا للمواجهة المسلّحة مع “داعش”؛ فالكتائب الصغرى (الأكثر تعرّضًا لاعتداءات “داعش”) لم تكن قادرة على ذلك بحكم اختلال موازين القوى، ونهج القتال الذي يتبعه التنظيم (المفخّخات، والعمليات الانتحاريّة)، ما جعلها لا تردّ على انتهاكاته.
أمّا الفصائل الكبرى كالجبهة الإسلاميّة، فعلى الرغم من اعتداءات “داعش” المتكررة، فقد رفضت الصدام المسلّح، وفضّلت اللجوء إلى وسائلَ أخرى لحلّ الخلافات؛ كالتحكيم الشرعي. لكن الأمور أخذت منحى الصدام المسلّح عندما بدأ “داعش” يتجهّز لاقتحام بلدة الأتارب رئة الإمداد الوحيدة المتبقّية من تركيا عبر معبر باب الهوى بالنسبة إلى فصائل المعارضة؛ فسيطرةُ “داعش” على هاتين النقطتين (الأتارب، ومعبر باب الهوى) تعني تحكّمه تحكّمًا كاملًا في جميع خطوط الإمداد في ريف حلب الغربي والشمالي والشرقي، بخاصة بعد أن فرض سيطرته على مدينة أعزاز الحدودية مع تركيا وعدد كبير من قرى ريف حلب الشمالي، وعلى مدينة الباب في ريف حلب الشرقي.
وانطلاقًا من ذلك، سارعت الكتائب المتضرّرة (جيش المجاهدين) إلى الدخول في مواجهة مسلّحة ضدّ “داعش” ضمن بلدة الأتارب ومحيطها، سرعان ما توسّعت إلى باقي المناطق.
المآلات المحتملة
ووصف التقدير المواجهة مع “داعش” بالحدث المفصلي ونقطة التحوّل المهمّة في مسار الصراع الجاري في سورية؛ إذ دحضت الادّعاءات التي تربط التنظيم بالثورة السوريّة وتعدّه مِن فصائل المعارضة، وتعاملت معه بوصفه عدوًّا مثلما تتعامل مع النظام، ومع حزب الله، والميليشيات العراقيّة والطائفية الأخرى.
لكن المركز العربي يؤكد انه وعلى الرعم من أنّ المواجهة الحاصلة ستكون خطوة على طريق طرد “داعش” من سورية، فمن المبكر توقّع هزيمة التنظيم واندثاره في المدى المنظور لأسباب منها قوّة التنظيم، حيث تكمن في أسلوبه القتالي ومستوى إجرامه، اضافة الى تباين حسابات الفصائل المشاركة، اضافة الى موقف النظام الذي أخذ مع اقتراب موعد انعقاد مؤتمر جنيف يؤكّد أكثر أنّ معركته هي في مواجهة تنظيمات جهادية متطرفة، معظم منتسبيها من غير السوريين.

