الأردن يتغير.. بقي حماية هوية الدولة
في عام ١٩٨٨ كتب المرحوم الدكتور حسين ابو عرابي مدير دائرة المطبوعات الأسبق مقالة قال فيها ( الاردن تحول من الثورة العربية الكبرى الى الدولة الوطنية ) وكان ذلك في معرض التعليق على قرار فك الارتباط مع الضفة الغربية الذي صدر في ذلك العام إثر الانتفاضة الاولى . وليس ابو عرابي وحده من وصل الى هذا الاستنتاج انذاك فهذا القرار الذي أنهى رسميا الوحدة التي قامت بين الضفتين وضع حدا لشعار الوحدة العربية الذي رفعته الثورة العربية الكبرى والذي على طريقه أسس المغفور له الملك عبد الله الاول المملكة في اطار تجارب عديدة لم تكلل بالنجاح من اجل قيام وحدة عربية تضم بلاد الهلال الخصيب .
بعد اتفاقية أوسلو استيقظ الاردن بقيادة المغفور له الحسين على وعي الدولة الوطنية وقد ترجم ذلك في قرارات سيادية وتوجهات خارجية وداخلية ، لكن ما تميز به تراث الملك الراحل الذي لم يحيد عنه طوال حكمه هو التمسك بالنظام الاقتصادي الرأسمالي وبسياسات الانفتاح التي وفرت بيئة اقتصادية حرة في البلاد .
منذ بداية القرن الحالي انتقل الاردن الى مرحلة اخرى مع تولي الملك عبد الله الثاني الحكم ، مرحلة جوهرها الاقتصاد ، ليس السياسة بشعارات الثورة العربية ولا بمفاهيم الدولة الوطنية كما كانت في عقود سابقة . فالسياسة والتعليم والأمن وكل شئ في خدمة الأهداف الاقتصادية و بمقدمتها السعي لجذب الاستثمارات العربية والأجنبية .
هذه الوظيفة الجديدة للدولة دفعت بوقت سابق بعض من اطلق عليهم الليبراليون الجدد الى المجاهرة بطلب تغيير هوية الاردن الى حد المطالبة بتغيير ألوان العلم . واذا كان الملك قد لجم هذه الدعوات الا ان الأهداف الاقتصادية بقيت هي اللون الجديد للحكم ، والواقع ان الاردن يتغير منذ عدة سنوات على مستويات السياسة الخارجية والعربية والدولية كما يتغير في الداخل في المساحات السكانية والاجتماعية والثقافية وهو ما يدفع البعض الى التساؤل بين حين وآخر عن هوية الاردن معتبرين ان هذه الهوية لا تزال في اشكالية .
هذا التغيير يترجم نفسه بسياسة خارجية تقوم على التناقض وتقاطع الخيوط ، ولو سألت اي اردني متابع عن تصنيف الموقف الاردني من قضايا المنطقة لما أجابك باليقين ، مثل التساؤل ان كان الاردن يقف مع دول الخليج او مع سوريا وعراق المالكي ، مع تركيا او ضدها مع ايران او في مواجهتها ، انه مع السياسة الامريكية في سوريا لكنه ضدها مع مصر وهكذا !!.
والواقع اننا امام سياسة برغماتيه هي بمقاييس عديدة ناجحة ، اذا أدرجت تحت واقع التغيير الشامل الذي تعيشه الدولة لانها تصب في نهاية المطاف بهدف ضمان الامن والاستقرار ، ليس كغاية بحد ذاتها ، انما لغاية كيان اقتصادي مستقر جاذب لرأس المال الهارب من العراق وسوريا او القادم من القطاع الخاص في الخليج ، وحتى موضوع استقبال موجات اللاجئين الكبيرة من العراق وسوريا لا يمكن تفسير الموقف الحكومي منها الا انه في باب استقبال الأموال قبل الناس ، خاصة مئات الملايين التي تأتي من العالم لتغطية شؤون اكثر من مليون ونصف مليون لاجئ سوري ينتشرون في الاردن .
الاردن يتغير وهو ما يثير تساؤلات يتم التعبير عنها بخلاصات مثل : ان الاردنيين بمختلف أصولهم أصبحوا أقلية في مواجهة واقع سكاني يعج بتغيير الوجوه والهويات ، وليس هذا فقط وإنما بوجود بيئة اقتصادية وقانونية تسمح للاجئين والوافدين بالاستثمار والتملك والعمل والمشاركة في كل شؤون الحياة .
عمليا كل هذه التطورات والتغيرات تخدم سياسة تطوير الاقتصاد وتحريكه وتوفير بيئة له وسط اقليم لا يوفر بيئة للحياة البشرية ذاتها . لكن هذه التغييرات تتطلب الاعتراف بها كمقدمة لتغيير قوانين وسياسات داخلية تحمي هوية الدولة ، اي وضع مفاهيم سيادية تضع أطراً وفواصل ، بين ماهو في خدمة الاقتصاد وما هو في خدمة الحفاظ على طابع الدولة الوطنية للشعب الاردني أسوة بما يحدث في كل الدول الوطنية والقومية التي تتبع السياسات الرأسمالية المنفتحة على انتقال الأموال والأفراد وحتى الجماعات .

