صحيفة الكترونية اردنية شاملة

قصة عن الحب والظلام

0

تبدو رواية عاموس عوز “قصة عن الحب والظلام” (ترجمة جميل غنايم، والصادرة عن منشورات الجمل في بيروت وبغداد، العام 2010)، رواية يصعب تصنيفها! ليست مرتبة زمنيا، ولا سيرة ذاتية تشبه السير. ولكن هذا ليس مهما أهمية جمال الرواية ومستواها الفني والفلسفي المتقدم؛ هي قطعة فنية مؤثرة، استوعبت على نحو بالغ التعقيد فنون الكتابة والتعبير، ونص بالغ الثراء والجمال!

بالطبع، فإن أهم حدث في الرواية هو وفاة أم المؤلف انتحارا عندما كان عمره ثلاثة عشر عاما، وكان عمرها ثمانية وثلاثين عاما. وتبدو مدهشة ومؤثرة قدرة عوز على التعبير عن المسألة وتذكرها وعرضها بعد خمسين سنة من وقوعها، وكأنه ما يزال ذاك الطفل الذي يعيش الصدمة، وكأنه ما يزال يعيش الأيام القليلة التي أعقبت المصيبة!
“ولا زلت أحيا مصيبتي، اتهمت نفسي: فلو كنت أنا أفضل من ذلك، ومخلصاً، لم أكن لأبعثر ملابسي على الأرض…”. ويختم الرواية بالقول: “لو كنت هناك بجوارها في تلك الغرفة المتجهة ناحية الفناء الخلفي في شقة “حيا” و”تسفي” في تلك الساعة، في الثامنة والنصف أو التاسعة إلا ربعاً في عشية يوم السبت، لكان من المؤكد أنني سأحاول بكل قوتي أن أشرح لها لماذا هذا ممنوع. وإذا لم أنجح في أن أشرح لها ذلك، لفعلت أي شيء لكي أثير بداخلها الشفقة، لكي تشفق على ابنها وحيدها. كنت سأبكي واستعطفها بدون أي خزي، وكنتُ سأعانق قدمها وكنتُ سأضرب وأخربش نفسي حتى يسيل الدم كما رأيتها تفعل ذلك في لحظات اليأس..”.
وربما تكون هذه الحادثة هي مدخل تفسير كل ما كتب ودار في الرواية؛ تحولات الكاتب الفكرية، وعلاقاته النسائية، والصراع العربي-الإسرائيلي، وفلسفته في الحياة.. ولماذا يبدو وحيدا. لعله يقصد هذه الوحدة؛ الحياة والموت والإنسان الوحيد، والشعوب التي تسعى أن يكون لها دولة، فتكون ضحية للقوى والدول الكبرى.. “ربما هكذا هي الأمور التي بين العربي واليهودي منذ مائة عام: أوروبا التي نكلت بالعرب، واستغلتهم بواسطة الاستعمار، والإمبريالية، والاستغلال، والاضطهاد – هي نفسها أوروبا التي طاردت واضطهدت اليهود كذلك، وفي النهاية سمحت أو ساعدت الألمان لاقتلاعهم من كل أطراف الأرض وقتلتهم كلهم تقريباً. ولكن العرب ينظرون إلينا ويرون أمامهم ليس سوى حفنة من الفارين، بل رافداً جديداً ومتعجرفاً لأوروبا الاستعمارية… أما نحن، من جانبنا، نظرنا إليهم ووجدنا أمامنا أنهم ليسوا ضحايا مثلنا، وليسوا إخوةً في الضائقة..”.
ويبدو الأمر في النهاية، وكما قالت خالته: “كل العالم إذا نظرنا إليه لن يستمر دهورا طويلة. يقولون بأن الشمس ستنطفئ ذات يوم، والظلام سيعود ليسود الكرة الأرضية. إذن، علام يذبح الناس بعضهم بعضا على امتداد التاريخ، ما هو الشيء المهم إلى هذا الحد، أيهم يحكم كشمير، أو المغارة التي تحت الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل؟ بدلا من أن نأكل تفاحة من شجرة الخلد أو شجرة المعرفة، يبدو أننا أخذنا من الأفعى تفاحة سامة من شجرة الشرّ وأكلنا بشهية، هكذا انتهت الجنة وبدأ الجحيم!”.
الرواية طويلة ومليئة بالمشاهد والأسرار، ولا يمكن استيعابها في مساحة محدودة. ولكن، ربما يكون أفضل ما يختم به هذا العرض حديث عوز عن الفترة التي سبقت وفاة والدته، وكيف تبدلت حياتهم: “كأن حوّاما بحريا كبيرا جرفنا نحن الثلاثة، قربنا وأبعدنا، رفعنا وحركنا، دورنا حتى ألقى بكل واحد منا على شاطئ ليس له. كنا متعبين جدا.. كنا في ذلك الخريف مرتبطين وملتصقين مثل ثلاثة أشخاص محكومين داخل حجيرة واحدة، ومع ذلك كان كل واحد منا مع نفسه.. لم يخمن والدي أي شيء، ألف سنة ضوئية كانت تفصل بيني وبينهما، ولكن ماذا عرفت أنا عن معاناتهما؟ وهما؟ كلاهما؟ هذا مقابل الآخر؟ ماذا عرف أبي عن مصيبتها؟ ماذا فهمت أمي عن معاناته؟ ألف سنة ضوئية فصلت بين كل منهما والآخر.. في صباح ذلك السبت عندما جلست أمي مستندة إلى جذع شجرة، وأنا ووالدي وضعنا رأسينا على ركبتيها، وكانت هي أمي تربت على رأسينا، حتى في تلك اللحظة التي كانت أعزّ من كل لحظات طفولتي، كانت تفصل بيننا ألف سنة ظلام”.

الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.