صحيفة الكترونية اردنية شاملة

المفاعل المنبوذ وشراء العقول..!

0

بداية أود أن أسجل اعترافي بأنني لست خبيرا نوويا ، ولكنني أزعم بأنني أعرف شيئا من المعلومات حول موضوع الطاقة النووية ، من خلال دراساتي العسكرية فيما يتعلق بالحرب النووية ، وانعكاساتها على البيئتين العسكرية والمدنية بشكل عام .

وبصفتي معارضا لهذا المشروع وكتبت حوله ثلاث مقالات خلال السنوات القليلة الماضية من خلال الصحافة الإلكترونية ، مبينا بها وجهة نظري السلبية تجاه المشروع ، فإنني أرغب أن أساهم من جديد في التوعية بأخطاره ، لاسيما وأنه أصبح مطروحا للنقاش على ساحة الوطن في هذه الأيام ، تاركا النواحي الفنية لأصحاب الاختصاص .

فإقامة المفاعل النووي تتطلب ــ من وجهة نظري على الأقل ــ خمسة شروط رئيسية هي : المال ، الماء ، الأمن ، الخبرة الفنية العملية ، وقبول المجتمع المحلي ، وجميعها غير متوفرة في الحالة الأردنية . ولتوضيح ذلك لمن فاته الاطلاع على تفصيلاتها ، فإنني سأشرحها تاليا بصورة موجزة قدر الإمكان .

• المال . ترزح المملكة تحت مديونية خارجية عالية ، يصل سقفها حاليا لما يزيد على 26 مليار دولار . فإذا ما أضفنا إليها 20 مليار دولار تكاليف مفاعلين نوويين لابد منهما لاستكمال المشروع ، وانتاج 20 % من حاجتنا للطاقة بعد عشر سنوات على الأقل ، فهذا يعني أننا سنقع تحت مديونية كبيرة جدا لا تستطيع الدولة تحملها .

• الماء . يحتاج المفاعل النووي الواحد إلى 8 ملايين متر مكعب من الماء أي أن حاجتنا لمفاعلين تصل إلى 16 مليون متر مكعب سنويا ، لتبريد المفاعلين في الأحوال العادية بعيدا عن أية حوادث طارئة . فهل يعقل أن يتم الاعتماد على بحر الخربة السمرا ( محطة التنقية ) لتوفير هذه الكمية من المياه النقية ؟ علما بأن جميع المفاعلات النووية في العالم ــ ما عدا واحدا في الولايات المتحدة ــ تقع على شواطئ البحار والمحيطات .

• الأمن . يعتمد المشرع على جر المياه من بحر الخربة السمرا إلى موقع المفاعلين المنتخب قرب قصر عمرة في الصحراء الأردنية ، من خلال انبوب ناقل لمسافة تزيد عن 60 كيلو مترا . فكيف ستتم حماية هذا الناقل من أعمال التخريب المحتملة ؟ وماذا سيحدث بعد انقطاع الماء عن المفاعلين ولو لفترة قصيرة ؟ وكذلك كيف يمكن حماية المفاعلين من الهجمات التخريبية أو القصف الجوي أو الصاروخي في حالة الحرب مهما زودناهما بوسائل الحماية ، لأنهما سيشكلان هدفا استراتيجيا للعدو ؟ إلا إذا ضمنا أن لا أعداء لنا في المنطقة وفي هذه البيئة المضطربة .

وهنا أود أن أسرد القصة القصيرة التالية : في عام 2006 كنت سفيرا للملكة الأردنية في الباكستان ، وجمعتني مناسبة معينة بأحد الجنرالات الباكستانيين المحترفين . فسألته عن رأيه في مفاعلهم النووي ، الذي أنتج القنابل النووية للحفاظ على التوازن الاستراتيجي بينهم وبين عدوهم اللدود الهند ؟ فأجابني بأن هذا المفاعل خلق لنا مشكلة أمنية كبيرة . فرغم كونه عامل ردع وحماية لباكستان أصبحت معضلتنا من الجانب الآخر هي : كيف نحمي هذا المفاعل ؟ فالأمريكان يريدون

السيطرة عليه ، ودولا معادية مثل الهند وإسرائيل تضعه على رأس قائمة اهدافها الاستراتيجية في حالة نشوب الحرب ، والجماعات الإرهابية تعتبره هدفا هاما يمكن أن توجه إليه عملياتها التخريبية. وهكذا فإن هذا المفاعل أصبح يشكل لنا سلاحا بحدين ، نريده أن يحمينا ونريد أن نحميه .

وبناء على ذلك فإن إنشاء مفاعلين نوويين على الأراضي الأردنية ، يتطلب إجراءات أمنية معقدة لتأمين قدر بسيط من الحماية ، التي يمكن اختراقها بأية وسيلة ممكنة ، مما يشكل خطورة بالغة على السكان المحليين والبيئة المجاورة في حالة تدميره أو إصابة أي جزء منه وتسرب الإشعاعات النووية من داخله إلى الخارج .

• الخبرة الفنية العملية . بالرغم من وجود عدد لا بأس يه من العلماء الأردنيين في مجال الطاقة النووية ، إلا أن رئيس هيئة الطاقة الذرية الحالي ناصبهم العداء واستبعدهم عن العمل في الهيئة . وفضلا عن توفر المعرفة العلمية فإن الحاجة تستدعي وجود علماء لديهم الخبرة الفنية العملية اللازمة ، لإدارة هذا المشروع ومعالجة أية حوادث متوقعة . ولو عدنا بالذاكرة إلى العاصفة الثلجية التي داهمتنا قبل أسابيع ، وعرفنا مدى الإرباك والقصور الذي حدث للمؤسسات المعنية في معالجتها ، لتوقعنا مدى الإرباك والخطورة التي ستحدث في حالة وقوع كارثة نووية إذا ما أقمنا المفاعلين في أي بقعة من أراضينا .

• اقبول المجتمع المحلي . من الواضح أن المجتمعات المحلية في مختلف مناطق المملكة ترفض إقامة هذا المشروع بجوارهم ، تحسبا لأية أضرار قد تصدر من المفاعل فتؤثر على مجرى حياتهم ، آخذين العبرة مما حدث في بعض دول العالم من تسرب اشعاعي أدى إلى وفاة الكثيرين ولوث مناطق واسعة من أراضيهم . وبالنسبة لمفاعلنا العتيد فقد اختير موقعه الأول تخطيطيا في العقبة ، ثم نقل إلى الرمثا ، ثم إلى المفرق ، وأخيرا إلى قصر عمره ، لأنه لاقى وسيلاقي ذلك المفاعل رفضا من قبل المجتمعات المحلية في أي موقع يتم اختياره لزراعة المفاعل في أحضانها .

يقول دولة رئيس الوزراء الدكتور عبد الله النسور في لقائه مع مناهضي المفاعل النووي يوم الخميس الموافق 9 / 1 / 2014 : ” أن الحكومة لا تزال في مرحلة صنع القرار فيما يتعلق بمشروع المفاعل النووي ، الذي يعني التشاور وإجراء الدراسات الفنية والاقتصادية ، ولن نفرض قرارا على الأردنيين إلا إذا اقتنعوا به ” . وهنا اسأل دولته كيف تصرف مئات الملايين من الدولارات على الرواتب والزيارات وإجراء التحضيرات لمشروع مضى عليه سنوات طويلة وهو يراوح مكانه ، دون أن تتم دراسة جدواه الاقتصادية وإقراره إذا كان في صالح الأردن أو رفضه إذا كان بعكس ذلك ؟

إن الدراسات التي تجري بخصوص المفاعل تتم من قبل طرف واحد هو هيئة الطاقة الذرية نفسها ، دون القبول باشتراك الطرف المعارض في دراساتهم أو الاستماع لآرائهم . وأذكّر القراء الكرام بأن مجلس النواب السادس عشر قرر عدم السير بالمشروع إلا بعد دراسة جدواه الاقتصادية وتأثيراته البيئية . إلا أن رئيس الهيئة ضرب هذا القرار بعرض الحائط ، وراح يبحث مع العديد من الشركات الأجنبية لعقد اتفاقيات معها بغرض إنشاء المفاعل . وإمعانا في عناده فقد أخذ يكيل الشتائم والصفات المسيئة لمناهضي المشروع وللشعب الأردني بكافة أطيافه .

يضيف دولة رئيس الوزراء أن مشروع الطاقة النووية يدخل ضمن البدائل التي سيتم النظر بها . ونحن نقول أن كل البدائل الأخرى عدا البديل النووي ، هي بدائل مقبولة لكونها أقل ضررا وأقل كلفة وأسرع إنجازا ومردودا على الوطن ، لا سيما وأن انبوب النفط العراقي وإنبوب الغاز عبر الأردن ، واللذين كان قد بحثهما بنفسه مع السلطات العراقية في الشهر الماضي . وسيبدأ العمل بهما كما أعلن خلال الأشهر القليلة القادمة ، حيث سيوفران حاجة الأردن من الطاقة بأسعار تفضيلية .

إن هيئة الطاقة الذرية الأردنية تحاول شراء عقولنا وإقناعنا قسرا بجدوى ذلك المفاعل المنبوذ . ولكننا مع هذا كله سننتظر ما وعد به دولة الرئيس من حيث إجراء دراسات فنية واقتصادية من قبل خبراء محايدين ، وأنه لن يفرض قرارا على الأردنيين إلا إذا اقتنعوا به.

وعلى كل حال فإن ملاذنا الأخير وأملنا الكبير سيبقى معلقا على المواطنين الشرفاء في مختلف مناطق المملكة ، وإصرارهم على التصدي لهذا المشروع الكارثي ، ومنعه من رؤية النور في حالة إقدام الحكومة على تنفيذه . وسيرى القائمون عليه أي منقلب ينقلبون.

[email protected]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.