صحيفة الكترونية اردنية شاملة

محاذير هيكلة المؤسسات

0

تحت ضغط الرأي العام وضمن الجهود التي تطالب بإزالة كافة أشكال ومظاهر الفساد الإداري في القطاع العام، استجابت الحكومات لقضية إعادة هيكلة المؤسسات المستقلة وبدأت بإعداد خطة لدمج هذه المؤسسات بهدف تقليل نفقاتها وإنهاء حالة الازدواجية بينها.

الملفت أن الحكومات أعدت ملفها بهذا الخصوص على عجل، كعادتها، فالدراسات الأولية التي كانت حكومة معروف البخيت أعدتها لمعالجة هذا الملف تؤكد أن الكلفة الأولية لاعادة الهيكلة تقدر بنحو 93 مليون دينار، والاتجاه كان ينصب على دمج المؤسسات مع بعضها البعض، وإزالة التشوهات المالية بين كادر الموظفين الخاضعين لنظام الخدمة المدنية والعاملين في المؤسسات المستقلة.

التنفيذ العملي لخطة إعادة الهيكلة سار باتجاه لا يتوقعه أحد، فالحكومات لم تستطع تنفيذ خطة إعادة الهيكلة رغم السلبيات الكبيرة التي تضمنتها، فلم تستطع أن تقلل أو ترشّد عدد العاملين تلك المؤسسات، ولم تستطع حتى أن تقلل رواتبهم، وفي الشأن ذاته اتجهت لتعديل رواتب العاملين تحت نظام الخدمة، ما رفع كلف المشروع إلى أكثر من 300 مليون دينار، وضاعف الأعباء على الخزينة.

حكومة النسور أرادت أن تساير الشارع بأنها جادة في هذا الشأن، وأنها راغبة بمعالجة الاختلالات التي تركتها المعالجات السابقة، فتقدمت إلى مجلس النواب بمشروع إعادة هيكلة المؤسسات وتركت الكرة في ملعب المجلس بعد أن ضربت “أخماسا بأسداس”؛ فمشروع القانون هو ذاته الذي كانت أعدته الحكومات السابقة على عجل وبالكلفه المالية ذاتها، والذي يريد أن يخفض عدد المؤسسات المستقلة إلى أقل عدد ممكن، من دون النظر إلى واقع وتفاصيل عمل تلك الهيئات.

هناك هيئات مستقلة تلعب دورا أساسيا في العملية التنموية، وباتت محط أنظار المؤسسات الدولية، وأخذت قصة نجاحها تعمم في المنطقة، وكوادرها يلعبون دورا إشرافيا وتدريبيا مهما في قطاعاتهم في العديد من الدول، مثل هيئة التأمين، التي تشكل العمود الفقري لميزان حماية المستهلك ضد تغول شركات التأمين، فهي مؤسسة رقابية تملك مقومات النجاح والاستمرار، وإعادتها إلى مظلة وزارة الصناعة والتجارة يعني ببساطة، أن مستوى أدائها وجودتها سيكونان مشابهين لباقي أقسام الوزارة، التي مع الأسف مثلها مثل باقي مؤسسات الدولة تعاني من ترهلات وبيروقراطية وسوء في جودة المنتج، ناهيك عن شبهات الفساد التي باتت تلاحق جزء كبيرا من العاملين في القطاع العام وانتشار الرشوة.

الحفاظ على استقلالية المؤسسات الناجحة مثل التأمين يساهم في تعزيز منظومة العلاقة مع المؤسسات الدولية التي تنظر بإعجاب للتطور النوعي لتلك المؤسسات، علما أن ملاحظاتها الوحيدة على تلك المؤسسة على سبيل المثال أن مجلس إدارتها يرأسه وزير الصناعة، فكيف الحال إذا ما تم وضعها تحت مظلة الوزارة نفسها؟ أين الاستقلالية المنشودة حينها ستكون؟

الحكومة رمت كرة معالجة المؤسسات المستقلة في مرمى النواب بعد أن فشلت في ضبط المشروع وفق الأصول والأهداف المحددة، فالمؤسسات المستقلة التي كان عددها قبل سنوات قليلة 35 مؤسسة تدر فائضا على الخزينة بمقدار 126 مليون دينار سنويا، باتت اليوم 65 مؤسسة بعجز 500 مليون دينار وإنفاق 1.9 مليار دينار ومديونية تناهز الملياري دينار، غير أن معالجات هذا الأمر لا يكون على حساب المؤسسات الناجحة والتي تؤدي دورا متميزا في الاقتصاد الوطني.

الأمر بحاجة إلى التروي والبحث التفصيلي من النواب، وإدراك أن معارضات الأعيان الأخيرة تتضمن فهما أكثر عمقا لواقع تلك المؤسسات والمبنية أساسا على التمايز في الأداء، فالنواب مطالبون بالخروج من إطار التشدد في الهيكلة والبحث عن طبيعة العمل والأداء لتكل المؤسسات ضمن خطة شاملة تعيد بريقها وفاعليتها في الانتاج والأداء كما كان في السابق.

[email protected]

[email protected]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.