صحيفة الكترونية اردنية شاملة

التمكين من فوق والفرص الضائعة

0

نكون غير منصفين ان قللنا من الجهود و البرامج التي يقوم بها صندوق الملك عبد الله المتعلقة (بالتمكين الديموقراطي ) بين الشباب ، اي نشر الثقافة الديموقراطية ، والتطبع مع أساليبها وهو ما يمكن وصفه بالبناء من تحت الى فوق . لكن هذه العملية تبدو لي مشابهة بما ستؤول اليه من نتائج لما مر به بعض الاردنيين الذين ذهبوا خلال العقود الماضية الى أمريكا للدراسة معتمدين على انفسهم لقلة موارد أسرهم المالية ، هناك قاموا بغسل الصحون في المطاعم من اجل توفير مصاريف الدراسة ، اي انهم اكتسبوا ثقافة ذلك المجتمع وعادة العمل والإنتاج القائمة على مبادئ الحرية ، لكنهم ما ان عادوا الى وطنهم حتى تركوا هذه الثقافة خلف ظهورهم وترفعوا عن كل عمل إنتاجي وأصبحوا اكثر تعلقا بالتنافس على المظاهر .
الطلاب والشباب عندما يخرجون من قاعات برامج التمكين الديموقراطي الى مجتمعهم وبيئتهم السياسية والثقافية ، سيجدون ( القالب غالب ) ، وان تلك القاعات لم تكن الا جزرا معزولة ، بمعنى ان ما يتابعونه من مشاهد في إدارة الحياة السياسية الموجودة صادم لهم ولما تلقونه من نظريات في اطار التمكين ، والغالب انهم سيعتبرون ما سمعوه من ثقافة وفكر يصلح لفرنسا واليابان وليس لواقع سياسي خال من التعددية ولا وجود لحاضنات سياسية تشبع تعطشهم للعمل العام ، ويجدون انفسهم وسط رأي عام لا توجد فيه قضية مطروحة للنقاش حول شؤون البلد على كثرة ما فيه من قضايا اقتصادية وسياسية واجتماعية بسبب غياب اعلام حر مهني وضعف اداء مؤسسات المحاسبة والمراقبة .
التمكين الديموقراطي مهم من تحت ، لكنه اهم بكثير عندما يبدأ من فوق ، من خلال التعجيل بقانون انتخابات عصري ديموقراطي يلهث الناس خلفه منذ عام ٨٩ دون جدوى ، ومن خلال انتخابات تقوم على القوائم والتيارات البرامجية واعلام حر مستقل ، في ظل عادات الحوار وتقبل الاخر مهما كان رأيه وبرنامجه ما دام في اطار الدستور والقانون .
اذا لم يجد الشباب أمامهم اكثر من أمثولة في حياتهم العملية حول تطبيقات التمكين الديموقراطي ، خاصة في العلاقة بين مجلس النواب وبين الحكومة ، واذا لم يشاهدوا دروسا عملية في حجب الثقة ومحاسبة المسؤول بشفافية ان كان رئيساً اوزيرا و نائبا من خلال عملية تداول للمعلومات ومناقشتها عبر اعلام حر مستقل ومهني يثق به الناس ، فان ما يتعلمونه عن التمكين الديموقراطي سينعكس إحباطا ولا مبالاة بالوطن وشؤونه وقضاياه وعواقب ذلك تحتاج وقفة طويلة .

لا تمكين من تحت ، ان لم ير الشباب بأم أعينهم دروسا بالتمكين الديموقراطي في العلاقة بين الحكومة والمجلس النيابي ، ليس عل طريقة ( نشبع الحكومة شتما ونتركها تفوز بالأبل ) التي أضرت بالوعي الجمعي للإردنيين وافقدتهم الثقة بالسلطتين وهم يرون كيف يتم إنقاذ الحكومة بالضغوطات على النواب ، وبقصص عرائض سحب الثقة ثم سحبها ، اي سحب العريضة ، لكي تبقى هذه الحكومة التى لاحقت جيوب المواطنين وهي تواصل سياسة الجباية بالضرائب والرفع والغلاء وتعميم البطالة . بينما تسقط الحكومات ، حيثما وجد نظام ديموقراطي ، نتيجة قراراتها الاقتصادية السيئة ، اما عندنا و في زمن التمكين الديموقراطي يطول عمرها !. أي أمثولة هذه التي تقدم للشباب !!.
ملاحظة اخيرة : لقد فشلت عملية التحديث خاصة في التعليم التي بدأت مع مطلع القرن ، على ما نراه اليوم من واقع تعليمي بائس ، لانه لم يواكبها نمو في الديموقراطية السياسية اي التمكين من فوق . لقد ضاعت واهدرت أوقات ثمينة .فهل من فرص جديدة للتعلم من التجربة ؟.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.