صحيفة الكترونية اردنية شاملة

على هامش ‘الفضيحة’!

0

من الضروري الوقوف على التحقيق الاستقصائي الذي نشرته “الغد”، أمس، للزميلة حنان الكسواني، بعنوان “فضيحة بسكويت أطفال العراق الأممية تطبخ في الجويدة” (لا أنصح من لم يقرأ التحقيق بقراءة هذا المقال؛ لأنه ملاحظات على هامشه). وهو وقوف لا يقتصر فقط على جوهر القضية، الذي لا يبدو خطره سطحياً على الأردن، وفق رؤية وزارة الخارجية، بل يمتد إلى جوانب متعددة أخرى.

الملحوظة الأولى، تتمثّل في أنّ التلاعب بتاريخ صلاحية “البسكويت”، الذي يذهب إلى أطفال العراق، هو بحد ذاته فضيحة وقع فيها برنامج الغذاء العالمي. ولا يجوز للحكومة الأردنية، أو حتى وزارة الخارجية، التواري وراء بعض البنود القانونية للتنصّل من مسؤولياتنا القانونية والأخلاقية؛ فهناك قيم عالمية وأخلاقية وقانونية تتجاوز الأعراف الدبلوماسية، عندما يتعلّق الأمر بتهديد سلامة وأمن أطفال أشقاء في دولة مجاورة، حتى لو كان هناك طرف حكومي رسمي، هناك، متواطئ!
الملحوظة الثانية، أن ردّ برنامج الغذاء العالمي على مادة التحقيق غير مقنع، ولنقل إنّه يلتف على حلقات مفقودة غير مبررة. إذ طالما أنّ تاريخ الصلاحية الحقيقي هو بالفعل بعد عامين، فلماذا إذن أصرّت الحكومة العراقية على وضعه بعد أشهر قليلة، ما أدى إلى انتهاء صلاحية هذه المواد؟ وكيف يمكن أن نطلب من المؤسسات الصحية الأردنية المعنية الصمت على هذا “اللغز” غير المفهوم، في مثل هذا الموضوع الإنساني والأخلاقي والقانوني؟!
الملحوظة الثالثة، تتمثّل في تقدير الجهد الكبير والرائع الذي بذلته الزميلة المتميزة حنان الكسواني، وتقديمها نموذجاً رائعاً على العمل المهني الاستقصائي المفقود بدرجة كبيرة في أوساطنا الإعلامية. فلو حصلنا في الشهر على حزمة من هذه التحقيقات الاستقصائية من مختلف الوسائل الإعلامية، فإنّ ذلك، بحد ذاته، يعطي الإعلام دوره المطلوب، ويحقق جوهر رسالته في كشف الحقائق والغوص وراء الأسرار وتقديمها للقارئ والرأي العام والمسؤولين.
الملحوظة الرابعة، وتتواصل مع الفقرة السابقة، فتعيد طرح الهمّ المزمن للإعلام المحلي، ويتمثّل في “حجب المعلومات” من قبل المسؤولين؛ فلا قانون “حق الحصول على المعلومة”، ولا وعود الشفافية، ولا أيّ عنوان آخر، كان كفيلاً بالتعامل بشفافية ووضوح وتوفير المعلومات والإجابة عن تساؤلات “الغد”. وربما المضحك المبكي في الأمر أنّ أغلب التحقيق قائم على “مصادر” (رفضت الكشف عن اسمها)، بالرغم من أنّه مزوّد بالوثائق الرسمية! والأكثر طرافة أنّ رد برنامج الغذاء العالمي جاء هو أيضاً عبر “مصدر رفض الكشف عن اسمه”!
الملحوظة الخامسة، وتتواصل بدورها مع موضوع “دومينو” الانهيار الأخلاقي في مجتمعنا، وتضيف منسوباً آخر لهواجسنا حول هذا الأمر، فتتعلق بعمل مئات العمّال، منهم مواطنون أردنيون فقراء، في هذا المشروع، الذي يقوم بوضوح على تغيير تاريخ انتهاء الصلاحية، وبالضرورة أعداد منهم يجيدون القراءة والكتابة، من دون أن يطرحوا السؤال الأخلاقي البدهي، أو حتى يحصلوا على تفسير برنامج الغذاء العالمي الذي وصل إلى “الغد” متأخراً؛ “إنّ جوهر عملنا الحالي بتغيير صلاحية الانتهاء هو جريمة قانونية وأخلاقية، وسيؤذي أطفالاً صغاراً”؛ وبالرغم من ذلك عملوا في المشروع، ولم يرفّ لهم جفن، تحت طائلة الفقر والبطالة ولقمة العيش. أليس هذا، بحد ذاته، مؤشّرا مزعجا لكم، مقلقا إلى أقصى مدىً!

الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.