المحافظون يقودون ‘أصلاح انفسهم’
هل ما جرى في السنوات الاخيرة في الاردن إصلاحا؟ هل هو اصلاح “من فوق” فقط أم انه يتماشى بالفعل مع مطالب الشعب؟ بمعنى آخر هل أشبعت التعديلات الدستورية وانتخابات مجلس النواب وزيادة العدد الى 150 وتشكيل لجنة النزاهة وما الى ذلك من إجراءات رغبات الأردنيين في الاصلاح السياسي والاقتصادي؟
نحن هنا في مثل هذه القراءة نمتلك موقفين متعارضين تماما. الأول يقول: لا لم يحدث اي اصلاح حقيقي وجاد، بينما الثاني يرى فيما جرى خطوات جادة ومدروسة نحو الاصلاح المنشود في النهاية.
وفي الوقت الذي يصر فيه حاملو الرأي الثاني أن المسألة تتعلق باختلاف في وجهات النظر حول “الادوات وسرعة تحقيق الاصلاح”، يرفض الفريق الاول هذه القراءة مصرا على ان كل ما وقع لا علاقة له بالتقدم الهادئ نحو الاصلاح وإنما هو محاولة إلتفافية على مطالب الشعب.
ما يستدعي التوقف عنده هو أن لدى كل من الفريقين ما يستشهد به حيال رأيه.
فالقائلون بعدم تحقيق آية خطوات حقيقية على طريق الاصلاح يستشهدون بقوانين الانتخاب والاحزاب والمطبوعات والنشر ومكافحة حقيقية للفساد لم تتم بعد، وبنماذج من التعيينات – على الطريقة التقليدية السابقة – لكبار الموظفين ومنهم عبد الرؤوف الروابدة على رأس مجلس الاعيان وفايز الطراونة في الديوان الملكي. بينما يستشهد من يتبنى ان خطوات جادة على طريق
الاصلاح تحققت باجراءات تمت بالفعل ومنها التعديلات الدستورية واجراء انتخابات نيابية.
ولا يذاع سرا القول بان لدى كل فريق جمهور من الشعب الاردني استطاع اقناعه بوجهة نظره. لكن المطالبين بالاصلاح يقولون معظم الفريق الثاني -اي “الرافضين لخطوات حقيقية نحو الاصلاح – هم من السياسيين المستفيدين من الوضع السياسي الحالي ومن أصحاب الاعمال والمقاولين والمحافظين.
عربيات: ما جرى اشغال للوقت
رئيس مجلس النواب الاسبق والقيادي الاسلامي الدكتور عبد اللطيف عربيات من الفريق الأول القائل بانه لم تقع أية خطوات جادة على طريق الاصلاح.
عربيات يقول: دعوات الاصلاح هي في المنطقة كلها ومنها الاردن، لكن الاردن كان له خط خاص، مشيرا الى ان مطالب الاصلاح لم تسمع في الاردن وحسب بل هي في مطالب شعبية في المنطقة بأسرها.
واضاف، ان ما تم انجازه من اجراءات حتى الان لم تصل بعد الى النقطة المطلوبة للتغيير الحقيقي الممثل اولا بقانون الانتخاب، منوها بانه اذا لم يغير قانون الانتخاب جذريا فاننا نعتبر ما جرى ويجري هو اشغالا للوقت لا قيمة له.
وتابع، ان القضية الاساسية هي الثقة تلك التي لن تحدث الا اذا انتخب الشعب ممثليه بصورته الحقيقية، لان المجلس يعزز الثقة وهو الذي يقود الى الاصلاح.
المفارقة ان مطالب المطالبين بالاصلاح هي عودة الى ما كان سابقا اي في العودة الى ما أنجز في عام 89 من انتخابات حلت – كما يقول عربيات مشاكل كثيرة في ظل تحديات خارجية لم يخسر معها الاردن.
في النهاية يلخص عربيات ما جرى بالقول: “هناك مطالب وهناك استجابات لكنها لم تصل الى الصورة النهائية”.
اربيحات: الاهداف اصلاحية لكن اللاعبين غير اصلاحيين
أما الوزير الاسبق صبري اربيحات فيصف ما يجري من جدل حيال هذا الملف بالقول: هي قضية جدلية ولا يوجد اتفاق على مفهوم الاصلاح سواءا النظام الذي يرى ان ما تم اصلاح بينما ترى المعارضة انه مجرد حرق للوقت وتسويف باجراءات شكلية.
لكن لا يستطيع اربيحات وهو يتحدث عن ذلك الا ان يرى “التدهور الاقتصادي والقيمي الاجتماعي، وفي الخلفية ملف اختبارات التوجيهي الذي وصفه بغير المسبوق.
سألنا اربيحات ما اذا كان الاصلاح الذي تم جرى من منظور نخبوي سياسي ام انه اصلاح يستند الى المطالب الشعبية فقال: ما جرى هو اجراءات شكلية تجميلية لا تلبي طموحات الفئات التي طالبت بالاصلاح، والتي تم اقصاؤها في النهاية، كما كانت عليه الامور قبل الربيع العربي.
لكن ماذا عن التعيينات في المناصب العليا للدولة. يجيب الوزير الاسبق “: بشكل عام الاهداف اصلاحية لكن اللاعبين غير اصلاحيين”.
الحموري: نسير على ذات النهج القديم
اما الفقية الدستوري والقانوني الدكتور محمد الحموري فينظر الى تركيبة المشهد بالتالي: “ما جرى كان يتناول اصلاحا جزئيا مظهره العام شكلي، لكنه في النهاية لم يستجب لمتطلبات المرحلة”.
ويلخص الفقيه الدستوري الممارسات السياسية التي تقع في عهد الربيع الاردني بالقول: “لا زالت السلطة تمارس نهجا لا يختلف عن نهجها الماضي”.
ويتابع، “الاصلاح او ما يسمى بالاصلاح قام عليه من كانوا يعتبرون تعديل الدستور خطا أحمر، فماذا كنا نتوقع من أناس جهر الناس بصوتهم من اجل اصلاح لما اقترفوه من اخطاء سواءا بشخوصهم او بنهجهم”.
إذاً “لا زلنا حتى الان نسير على ذات النهج القديم”. يقول الدكتور الحموري.
وينصح القانوني الاردني للمرحلة القادمة “تطبيق ما ورد في ميثاق النزاهة وخطتها بشكل موضوعي” وعن ذلك يقول: “إن تم ذلك فسيحدث نقلة نوعية في مجال الاصلاح”.
ويتساءل: هل يعقل ان نبقى على قانون انتخاب مؤقت ومحكمة امن الدولة تعود الى مخلفات العصور الوسطى؟
إنه اذاً تدافع سنن السياسة منذ صنعت أول دولة، وصراع على سلطة يقول الكثيرون إن الشعب لم يمتلكها بعد، وأن وقتا طويلا ما زال علينا انتظاره حتى يقال في يوم ما: إن الشعب يحكم نفسه بنفسه.

