انتحار طفل في الثامنة هل يـوقـظ الضمائر؟
في خبر مؤلم جدا قام أحد الأطفال الأردنيين وعمره 8 سنوات، بالانتحار بواسطة حزام علقه في رقبته الصغيرة وربطه في خزانته بعد أن ضاق ذرعا من تعليقات أقرانه في المدرسة والتي استهدفت يده المصابة بضمور وتشوه جسدي. الطفل ضحية التنمر لم يحظ بأي نوع من الدعم من المدرسة أو تفهم من قبل الأقران وأدت سخرية الأطفال إلى وصوله إلى القناعة بأنه لم يعد راغبا في الحياة بعد ذلك.
هل تفتح هذه المأساة ملف ظاهرة التنمر التي تنتشر بكثرة في المدارس الأردنية على اختلاف مواقعها، وهل ستبدأ المدارس والمعلمون والأهالي (سواء أهالي الضحايا أو المتنمرين) بالتعاون معا في إيقاف هذه الظاهرة أو سنترك هذا الخراب الأخلاقي في المجتمع الأردني ينتشر ليشمل نسبة كبيرة من الطلبة؟ مشكلة سلوك التنمر أنه يخلق شخصيات مريضة في طرفي الطيف إذْ إن المتنمر يعتقد بأنه سيتمكن دائما من ممارسة العنف والسخرية ضد الآخرين بحماية ما أو من دون التعرض للعقاب؛ ما يجعله شخصا عنيفا ومستغلا، أما الضحية فيصل إلى حالة من اليأس من القيم والمبادئ ويتحين الفرصة التي يتمكن فيها من جمع القوة اللازمة للتعويض عن حالات القهر التي تعرض لها، ربما بممارسة العنف ضد الأصغر سنا والأقل حيلة.
التنمر ظاهرة يمارسها الذكور والإناث معا، وأحيانا يكون تنمر الإناث اسوأ من الناحية النفسية لأنه يرتبط بالسلوك والمظهر الخارجي وممارسة الضغوطات على الطالبات في موقع الضحية من خلال انعدام الصداقات. التنمر الذكوري يظهر بالضرب والتخويف ويمكن أن يتسبب في أضرار جسدية ونفسية طويلة الأمد. أهالي الطلبة الضحايا هم الذين يطالبون المدرسة بالتصرف عادة، ولكن أهالي الطلبة المتنمرين باستثناء القليل منهم لا يتعاملون بجدية مع المشكلة بل يظهرون نوعا من الفخر بقوة ورجولة وسيطرة ابنائهم على الطلبة الآخرين.
ظاهرة التنمر موجودة في كل العالم سواء الدول الصناعية أم النامية، وحتى في دولة ذات “أخلاقيات شرقية عريقة وقيم بوذية هادئة مثل اليابان فإن الظاهرة منتشرة وأدت إلى انتحار 10 أطفال في العام 2009 ولكن هنالك مؤسسات اجتماعية تدعم الطلبة المعرضين للتنمر وهنالك قوانين تعليمية وتعليمات انضباط مدرسية لا تستثني أحدا وتعاقب بشدة الطلبة المتنمرين. ما نحتاجه في الأردن هو الصراحة الشديدة في كشف تفاصيل التنمر خاصة شجاعة الضحايا في الإبلاغ عن الظاهرة وثقتهم في امكانية حصولهم على الدعم في المدرسة والمجتمع. في الطرف الآخر من المعادلة يجب أن يعرف المتنمر وأهله أنه سيتعرض لعقوبة شديدة وأن هذا السلوك ليس مدعاة للفخر وسببا في الحصول على الشعبية.
ما دمنا نتحدث عن الإصلاح السياسي والاقتصادي فإننا بحاجة إلى مواجهة صريحة مع التشوهات المنتشرة في المجتمع الأردني وأن لا نبقي رؤوسنا في الرمال مكتفين بالجمل الفارغة من معناها حول الأخلاقيات ونكران كل السلبيات التي بدأت تنتشر وتهدد كافة الفئات الاجتماعية في الأردن.
الدستور

