تحديات الأردن من منظور العمل الاسلامي
قال أمين عام حزب جبهة العمل الاسلامي حمزة منصور إن أهم التحديات السياسية التي تواجه الأردن داخليا هو انسداد أفق الإصلاح.
وأضاف في ورقة قدمها إلى الندوة التي اقامها فرع حزب جبهة العمل الإسلامي في عمان الأولى تحت عنوان “مستقبل العمل السياسي والحزبي في الأردن” ، بعد ثلاث سنوات على الربيع العربي، وخروج قطاعات واسعة من الشعب الأردني الى الساحات والميادين، مطالبين بالإصلاح الذي يحقق مضمون النص الدستوري (الشعب مصدر السلطات)، تمخض الجمل فولد فأراً، مشيرا إلى ان التعديلات الدستورية على كثرتها لم تلامس جوهر الإصلاح، ولم تزل التناقضات بين النصوص الدستورية.
وأشار إلى انه لا رأي للشعب في تشكيل الحكومة، ولا يحصن مجلسه النيابي من الحل، ولا يتمكن من انتخاب كامل سلطته التشريعية، ولم تظهر الحكومة جدية في مكافحة الفساد، واسترداد الحقوق المستلبة.
وتطرق منصور إلى لجنة الحوار الوطني التي أعلن عن ضمان تنفيذ مخرجاتها فقال: لحقت توصياتها بسابقاتها (الأجندة الوطنية، وكلنا الأردن). وقال: قانون الانتخاب الذي يمثل عقدة المنشار أمام أية محاولة للإصلاح فقد نجحت قوى الشد العكسي في تكريس نظام الصوت الواحد المجزوء، بكل ما يمثل من تخلف، وتعزيز للانتماءات الفرعية على حساب الانتماء للوطن، وإذكاء للعصبيات وعودة الى مرحلة ما قبل بناء الدولة، والحيلولة دون تشكيل كتل نيابية برامجية.
كما تطرق أمين عام حزب جبهة العمل الاسلامي إلى قانون الأحزاب فقال انه لم يرتق الى مستوى قانون الخمسينيات، فهو يجعل من الأحزاب السياسية دوائر ملحقة بوزارة الداخلية.
ويعود انسداد أفق الإصلاح – وفق منصور – لعوامل بعضها داخلية، وبعضها خارجية، أما العوامل الداخلية فتتمثل في أجهزة وقوى وشخصيات متنفذة، تسمنت في غياب الديموقراطية، وحققت مكتسبات لا تسمح بالتنازل عنها، فتعمد الى التشكيك بالأحزاب السياسية، وقدرتها على القيام بدور سياسي فاعل، كما تشكك في انتماءاتها وولائها، فراحت تحرض عليها، وتضع العراقيل في طريقها، ما أفقدها الاعتراف الواقعي، وإن حظيت بالاعتراف القانوني .
وأشار إلى ان قوى الشد العكسي وظفت الأوضاع السائدة في المنقطة في تحقيق أهدافها. كما عملت أسباب ديموغرافية دوراً سلبياً في عملية الإصلاح، مشيرا إلى شريحة تم إقناعها بأن مزيداً من الإصلاح يعني قيام وطن بديل، بينما أقنعت شريحة أخرى بأن مشاركتها في فعاليات الإصلاح تهدد مواطنتها.
أما العوامل الخارجية للتحدي الداخلي فتتمثل – كما يقول منصور – بالكيان الصهيوني الذي يرى في أي تحول سياسي في الأردن خطراً على العملية السلمية، وبالتالي على المشروع الصهيوني. أما الإدارة الأمريكية التي طالما نادت بالديموقراطية، فقد أعادت النظر في سياساتها، حين تبينت لها نتائج العملية الديموقراطية في الوطن العربي، فهي تؤثر أن تبقى الأوضاع على حالها اذا كان منتج الديموقراطية اسلامياً.
وقال كل هذه العوامل أسهمت بدرجات متفاوتة في تجميد الإصلاح، وإدارة الظهر للمطالب الشعبية، واستهداف المطالبين بالإصلاح بالإقصاء والاعتقال، وبحملة إعلامية ظالمة.
التحديات الاقتصادية
اما من حيث التحديات الاقتصادية قال: يعاني الأردن من أوضاع اقتصادية بالغة الصعوبة، تتمثل بمديونية فاقت كل المديات المأمونة، حيث بلغت المديونية تسعة عشر مليار دينار، وهي مرشحة للزيادة في العام القادم الى أكثر من واحد وعشرين ملياراً، وبنسبة 90% من الناتج الإجمالي، خلافاً لقانون الدين العام، الذي حدد سقف الدين مقارنة بالدخل القومي بـ 60% . كما يعاني من عجز في الموازنة، حيث بلغت نسبته في قانون الموازنة لعام 2014م ملياراً ومائة مليون دينار.
وأضاف الأردن أعاد من جديد الى إملاءات البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ما عنى مزيداً من التضييق على المواطنين، واستنزاف دخولهم، حيث عمدت الحكومة الى رفع الدعم عن المشتقات النفطية، ثم عن الكهرباء، ويدور الحديث الآن عن رفعه عن الخبز والماء، دون أن يقابل ذلك زيادة على دخل المواطنين، وتهيئة الحكومة الى مزيد من الضرائب. وتشكل فاتورة الطاقة أكبر تحد اقتصادي للحكومة نظراً لارتفاع أثمانها، وعدم القدرة على انفاذ مشاريع وطنية، إن على صعيد الصخر الزيتي، أو الطاقة البديلة، كما أن المشروع النووي ما زال يلقى معارضة شديدة، فضلاً عن أن انجازه فيما لو أصرت الحكومة على انفاذه يحتاج الى قرابة خمسة عشر عاماً، فضلاً عن صعوبة توفير التزام الحكومة بنصيبها من التمويل.
التحدي الاجتماعي
في حين قال ان التحديين السياسي والاقتصادي، فضلاً عن القصور التربوي والثقافي اسهما في بروز ظواهر اجتماعية خطيرة مقلقة، تمثلت في ضعف هيبة الدولة وتحديها من قبل بعض الشرائح، وشكلت مصدر قلق حقيقي لها.
وقال العنف المجتمعي الذي يأخذ طابعاً جماعياً ولا سيما في الجامعات، وهو يخلف ضحايا وأضراراً نفسية ومادية بالغة وتعطلاً للحياة، والعجز عن الحد من المؤثرات العقلية التي اتسعت دائرة تعاطيها والاتجار بها، ومحاولة توطينها، واتساع ظاهرة الغش في الامتحانات، وتطوير وسائلها بما في ذلك استخدام العنف، واتساع ظاهرة السطو وسرقة السيارات والممتلكات، كلها ظواهر خطيرة ومقلقة للمواطن ولصاحب القرار على حد سواء.
التحديات الخارجية
واجمل منصور التحديات الخارجية بالتحدي الصهيوني “المتمثل بالإصرار على يهودية الدولة، بكل ما يعنيه ذلك من عنصرية، وتطهير عرقي لشريحة فلسطينية استعصت على محاولات التهجير والتذويب. وبمواصلة الاستيطان، ونهب الأرض، وتقطيع أوصال الضفة الغربية، بما يجعل قيام دولة فلسطينية ضرباً من الخيال، ومواصلة الاعتداءات على المقدسات، ولاسيما المسجد الأقصى المبارك، ومحاولة تقاسمه مع المسلمين، كخطوة على طريق هدمه، وبناء الهيكل المزعوم مكانه، دون اكتراث بميثاق الأمم المتحدة، والقوانين الدولية، واتفاقيات جنيف، وبالحقوق الأردنية في المقدسات، التي نصت على يها معاهدة وادي عربة.
وقال: كل هذه السياسات تشكل عامل تحد وإقلاق للدولة الأردنية، ولاسيما إذا أضفنا الى ذلك القناة التفاوضية السرية بين السلطة الفلسطينية والعدو الصهيوني، برعاية أمريكية، وما يرشح عنها من مصادرة حق العودة والقدس، وتكريس الوجود الصهيوني على طول نهر الأردن، بكل ما تمثله الثقافة الصهيونية من عنصرية وأطماع في الأردن .
كما أشار إلى التحدي الناجم عن الصراع السوري. وقال: هذا الصراع الدامي، الذي مر عليه قرابة ثلاث سنين، بكل ما يمثله من قتل وتدمير وتهجير وتعقيد، يلقي بظلال خطيرة على الأردن، تتمثل بأعداد تتزايد يومياً للمهجرين، بكل ما تمثله الهجرة من أعباء اقتصادية وأمنية واجتماعية .
وأشار إلى أن دخول قوى إقليمية ودولية معترك الصراع، يجعل الأردن ضمن دائرة الخطر، نظراً للضغوط المتعارضة التي تمارسها القوى المشاركة في الصراع على الأردن، وقد يتطاير شرر هذا الصراع الى الأردن كما حصل في لبنان، سواء من اضطرار بعض الأطراف دخول الأردن تحت ضغط الصواريخ والبراميل المتفجرة التي يوجهها النظام، أو جراء الصراع الدائر على الحدود الأردنية .
وعن التحدي الناجم عن الصراع العراقي قال: أوجد الاحتلال الأمريكي للعراق وضعاً شديد التعقيد في العراق. وعلى الرغم من انسحاب القوات الأجنبية، فقد ظلت الأوضاع كارثية، حيث تقاسم المكونان الشيعي والكردي البلاد، بينما أصاب الغبن والتهميش المكون السني، تحت ذريعة أن النظام السابق كا سنياً، وأن المقاومة العراقية للاحتلال اضطلع بها هذا المكون.
وأشار إلى ان حكومة نوري المالكي مارست سياسة طائفية إقصائية، ما حمل أهالي الأنبار ومحافظات عراقية أخرى على اعتصام مفتوح، ما زال مستمراً منذ أكثر من سنة. وعلى الرغم من عدالة المطالب وواقعيتها إلا أنها لم تلق أذناً صاغية، بل عمدت الحكومة الى محاولة فض الاعتصام بالقوة، ما أسفر عن وقوع ضحايا، ونشر القوات المسلحة في المدن والبلدات، وعقد المشهد، وأشعل حرباً جديدة ثلاثية الأبعاد بين النظام وثوار الأنبار والعشائر والقاعدة، وهي مرشحة للمزيد من الاستمرار، وإيقاع الخسائر.
وقال: هذا من شأنه أن يدفع بأعداد جديدة من المهجرين، فضلاً عن إغلاق الطريق الواصل بين عمان وبغداد، ووقف التجارة البينية، وتعطيل وصول النفط .
مستقبل العمل السياسي والحزبي في الأردن
وعن مستقبل العمل السياسي والحزبي في الأردن قال ان التحديات الداخلية والخارجية تحتم على الأردنيين جميعاً شعباً وحكومة أعلى درجات الوعي والتوحد، والتوافق الوطني والجاهزية.
وقال: أي تهاون في ذلك يعني الاستخفاف بهذه التحديات، وبالمصالح الوطنية العليا. والحديث عن التوافق الوطني، وصون الجبهة الداخلية، ليس شعارات ترفع، ومواعظ لم يعد أحد يلقي لها بالاً، وإنما قناعة بأن الوطن للجميع، وأن الخطر يستهدف الجميع، وأن مواجهته تستوجب مشاركة الجميع في القرار، والتصدي على حد سواء.
وأن يترجم هذا الفهم الى تشريعات وسياسات وقرارات، وبغير ذلك فإن الأردن سيكون في عين العاصفة .
وأضاف ان المدخل لتحقيق هذا التوافق لجنة ملكية موثوقة، تمثل الطيف السياسي تمثيلاً حقيقياً، تتوافق على خطة وطنية، تخرج الأردن من أزمته العميقة والمركبة، وتؤسس لشراكة حقيقية في القرار، يكون الشعب فيها مصدر السلطات، عبر قانون للأحزاب يتفق مع الأعراف الديموقراطية، ويحدد آليات تشكيل الحكومة على أسس حزبية برامجية، وقانون انتخاب يضمن تمثيلاً حقيقياً للشعب الأردني، مستفيداً من التجربة الإنسانية، وتشكيل حكومة توافق وطني، تحظى بثقة الشعب الأردني، يتصدر اهتماماتها التقدم بمشروعي قانون الأحزاب والانتخاب، والإشراف على الانتخابات القادمة، واعتماد خطة اقتصادية وطنية تعالج الاختلالات الاقتصادية، وتخفف الأعباء الاقتصادية عن المواطنين، وتحقيق السلم المجتمعي. وأن تتوج مخرجات هذه اللجنة بمؤتمر وطني واسع التمثيل، لضمان أوسع التفاف وطني حوله .
وبالتزامن مع اللجنة الملكية، والمؤتمر الوطني، وحكومة التوافق الوطني، اشار إلى ان الحراك الشعبي السلمي الواسع يستمر بمشاركة مختلف القوى والتيارات المؤمنة بالإصلاح، ليشكل الحراك بهذه المواصفات داعماً قوياً للتوافق الوطني، ورقيباً على السلطتين التنفيذية والتشريعية، لضمان التزامهما بالرؤية الوطنية والإصلاح، ولتعزيز مسيرة الإصلاح في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية المقاومة للإصلاح .
وقال: بغير ذلك فان الأردن سيبقى يراوح مكانه من حيث فقدان الثقة بالمؤسسات وبقاء الناس في الشارع وسيكون مفتوحاً على كل الاحتمالات، والسعيد من اتعظ بغيره، والشقي من وعظ بنفسه.

