مخاطر الإمدادات تخيّم على توقعات سوق النفط
للسنة الثالثة لم تتغير أسعار النفط العالمية. بلغ متوسط برنت، وهو المعيار العالمي، أكثر من 108 دولارات للبرميل في 2013، مثلما كان في 2012 و2011، لأن مخاوف من زيادة العرض بسبب ثورة النفط الصخري في الولايات المتحدة لم تتحقق، نتيجة لنكسات تعرض لها الإنتاج في أجزاء أخرى من العالم.
وبالنسبة لكثير من المستثمرين الذين يتتبعون السلع وصناديق التحوط التي تراهن على التقلبات، كان معنى هذا تحقيق عوائد ضعيفة. وبالنسبة للبنوك الاستثمارية هذا يعني عدم وجود أعمال في الوقت الذي يرى فيه المستهلكون حاجة أقل للتحوط. وحدها أوبك هي التي كانت سعيدة بالعوائد العالية على الدوام.
لذلك هل آن الأوان ليتخلى المستثمرون عن برنت، أم سيجلب 2014 شيئاً مختلفاً؟ المحللون منقسمون في الرأي. يعتقد كثيرون أن 2014 سيكون العام الذي سيتفوق فيه الإنتاج المرتفع على نمو الطلب المتواضع، الأمر الذي يخفض الأسعار ويختبر عزم “أوبك” على تحقيق التوازن في السوق والحفاظ على استقرار الأسعار.
وبحسب إد مورس، رئيس أبحاث السلع الأساسية في سيتي: “ترسم ثورة النفط الصخري في الولايات المتحدة، الذي يأتي على رأس نضوح الإنتاج من المياه العميقة، صورة قوية للعرض”. ويتوقع “سيتي بانك” أن يبلغ متوسط سعر برنت 98 دولاراً للبرميل في 2014.
لكن آخرين يجادلون بأن العرض سيخيب الآمال، ما يوفر دعامة قوية لخام برنت. ويقول مايكل دي ميشاي من JBC للطاقة، وهي شركة استشارية تتوقع أن يصبح متوسط سعر برنت 110 دولارات في العام المقبل: “من المرجح أن تتكرر أنماط الأعوام الأخيرة، لأن شيئا لم يتغير بالمعنى الفعلي”.
لماذا التوقعات المتضاربة؟ السبب الرئيسي هو اختلاف وجهات النظر بشأن خطر تعطل مزيد من الإمدادات داخل “أوبك”.
ومع أن ثورة النفط الصخري في الولايات المتحدة أثارت الانتباه، إلا أن الأسعار الرئيسية تأثرت ـ على خلاف في الرأي ـ بالقدر نفسه من تعطل الإنتاج نتيجة للحرب الأهلية في ليبيا وعقوبات النفط ضد إيران، للحد من برنامجها النووي. ويرى كثير من المحللين أن إنتاج “أوبك” كعامل لا يمكن التنبؤ به مرة أخرى.
مثلا، يرى بنك باركليز أن نمو العرض من خارج “أوبك” سيتجاوز نمو الطلب العالمي بنحو نصف مليون برميل في 2014. لكن المحلل ميسوين ماهيش يقول إن هذا سيترجَم إلى ضغط سلبي متواضع فقط على أسعار الخام، بسبب عوامل اللبس المحيطة بالإنتاج في عديد من بلدان “أوبك”.
ففي ليبيا تستمر الميليشيا في منع صادرات النفط من الموانئ الرئيسية. وقد تكون صفقة شاملة لرفع العقوبات عن إيران بعيدة المنال. أما في فنزويلا، فالمتداولون قلقون بصورة متزايدة من أن القلاقل السياسية قد تؤثر في صناعة النفط.
وهناك مخاوف بشأن انخفاض الأسعار وشكوك حول ما إذا كان نمو العرض من خارج “أوبك” يمكن أن يلبي التوقعات الطموحة. مثلا، توقف الإنتاج من حقل كاشاجان النفطي العملاق في كازاخستان في الفترة الأخيرة بسبب تسرب الغاز ولن تتم إعادة تشغيله على الأقل حتى الربيع.
ويقول توم نيلسون، وهو مدير مشارك للمحافظ في صندوق الطاقة العالمي التابع لمجموعة إنفستيك لإدارة الأصول: “خلال ثمانية من آخر عشرة أعوام قامت وكالة الطاقة الدولية (هيئة الطاقة في البلدان المتقدمة) بالمبالغة في تقدير نمو العرض من خارج أوبك”.
ولأن من الصعب التنبؤ بآفاق الإمدادات، فقد تكون الطريقة الأكثر فائدة للمستثمرين لتقييم سوق النفط هي النظر إلى نمو الطلب، حيث يمكن تمييز تحولات محددة المعالم بشكل أكثر.
وما يؤكد ذلك أن الوكالة الدولية للطاقة رفعت توقعاتها لاستهلاك النفط العالمي وسط أكبر نمو للطلب الأمريكي خلال عقد، وهي تتوقع الآن أن يصل النمو في الطلب العالمي على النفط إلى 1.2 مليون برميل يومياً في 2014.
وقول أمريتا سين، المحلل في شركة إنيرجي آسبيكت Energy Aspects للاستشارات: “إذا استمر الزخم الحالي في الطلب العالمي على النفط، فقد يحمل لنا 2014 بعض المفاجآت”. وقال من المرجح أيضا أن يبقى الطلب من الصين والهند قوياً على الرغم من إمكانية أن يعمل تشديد السياسة النقدية الأمريكية على تقليص النمو الاقتصادي في هذين البلدين.
لكن مورس يجادل بأن النمو الاقتصادي الأمريكي القوي قد لا يترجَم بدقة إلى مزيد من الطلب العالمي على النفط، على اعتبار أن الاقتصاد الأمريكي يعتبر أقل ميلا من الصين إلى التصنيع والصناعة كثيفة الطاقة.
وثمة شيء واحد يبدو أن الجميع يتفق عليه وهو أن أسعار النفط الأمريكي ستظل متقلبة في 2014. وقد أدى ارتفاع إنتاج النفط الصخري إلى جانب القيود الشديدة المفروضة على الصادرات إلى تباعد سوق النفط في أمريكا الشمالية عن السوق العالمية في السنوات الأخيرة.
وبناء البنية التحتية من خطوط الأنابيب جعل من الممكن أن تنتقل الوفرة في النفط المنتج في التكوينات الصخرية إلى الأسواق الموجودة على ساحل الخليج الأمريكي.
وفي غياب التغييرات على قيود التصدير يرجح أن يتم تداول الأسعار في ساحل الخليج، الذي هو أكبر منطقة في العالم لمعامل التكرير، بحسم “هيكلي” على خام برنت على مدار السنة، كما يقول المحللون. ولهذا الأمر مضامين على شركات التكرير الأمريكية التي يمكنها شراء الخام المحلي بسعر أرخص وبيع إنتاجها بحسب المستويات الدولية.
ويتوقع سين أن يجري تداول مؤشر لويزيانا للنفط الحلو الخفيف، وهو المؤشر القياسي لساحل الخليج، بـ 6 ـ 8 دولارات دون مستوى برنت، وأدنى بنحو 12 دولارا دون خام تكساس المتوسط، المؤشر المرجعي الأمريكي، لكنه يتوقع أيضاً أن يُظهِر تقلبات لا يستهان بها.
ويقول: “الخطر هو أن يؤدي الاستخدام النشط إلى عمليات إيقاف تشغيل غير مقررة من أجل الصيانة”.

