صحيفة الكترونية اردنية شاملة

سياسة الغرب تصب في مصلحة الأسد

0

أمام العجز الذي يبديه الغرب حيال سورية، لم تعد تهزنا مشاهد القتل والدمار والتهجير، هذه الأعمال التي أصبحت روتينية. شهدنا الأسلحة الكيماوية تستعمل، وأطفالاً يعذَّبون، ولاجئين يجوعون حتى الموت. وشاهدنا الدولة السورية تنهار والاستقرار يتزعزع في البلدان المجاورة لها.
ليس هناك كثير من الناس يتوقعون أن يتوقف تفكك سورية. اسأل الدبلوماسيين والمحللين عن سورية هذه الأيام، وعلى الأرجح سيقولون لك إنهم يتوقعون أعواماً أخرى من الحرب والتفكك. ومع ذلك لا تزال تمر أوقات على هذا الصراع تشير إلى أن هذه الأزمة ستدخل سنتها الرابعة، مع ما تنطوي عليه من دمار يجب أن يهز مشاعرنا ويجبرنا على الاعتراف بالحالة السيئة التي آلت إليها سورية نتيجة لجنوح السياسة الغربية.
جاءت إحدى اللحظات الحاسمة في هذا الصراع في أوائل هذا الشهر، عندما استولى مقاتلون يطلق عليهم الجبهة الإسلامية، على مواقع أسلحة بعد أن سيطروا على مقار تعود لثوار منافسين، مدعومين من تحالف دولي مكون من دول غربية ودول عربية.
كان رد الفعل المباشر من الولايات المتحدة وبريطانيا هو تعليق شحن المساعدات غير الفتاكة للثوار الذين يسيطرون على شمال سورية، وسط قلق من أن تقع هذا الأسلحة في نهاية المطاف في أيدي متطرفين، إن لم تكن قد وصلت بالفعل إلى أيديهم. وحاول سليم إدريس، قائد الثوار المدعومين من الغرب، وكذلك الائتلاف الوطني السوري، وهو المجموعة السياسية المعارضة، التقليل من أهمية الحادث بتعبيرات أقل إثارة للمشاعر، بالقول إن التحالف طلب مساعدة الجبهة الإسلامية عندما تعرضت قواته لهجوم مجموعات من القاعدة.
لكن من حيث الواقع كان الاستيلاء على التجهيزات والمقار محاولة انقلابية ضد الائتلاف. ويأتي هذا في وقت بدأت تتكشف فيه ألغاز السياسات التي تدعمها الحكومات الغربية. وما من أحد يُنكر اليوم أن تأثير الثوار المعتدلين على الأرض مهما كان صغيرا (وهو بالفعل لم يكن كبيرا) بدأ يتبخر بسرعة.
وسيصبح هذا الحدث أكثر إثارة للقلق عندما نعلم أن أولئك الذين ساعدوا تمويل وتسليح الجبهة الإسلامية هم أعضاء في التحالف الغربي نفسه الذي يدعم الائتلاف.
أما بالنسبة لمؤتمر السلام حول سورية الذي ترعاه الولايات المتحدة وروسيا، المقرر عقده في كانون الثاني (يناير)، فقد تبدد الوهم بإمكانية تحقيق أي تقدم دبلوماسي، على الرغم من عدم وجود كثير مما يرجى منه في الأصل. لم تكن فكرة حث بشار الأسد، رجل سورية القوي، للموافقة على تسليم السلطة إلى سلطة انتقالية مسألة مقنعة بالنسبة له (وهي الفكرة التي يقوم على أساسها مؤتمر السلام)، خاصة عند مشاهدتنا التقدم الذي يحرزه على الأرض، حتى لو كان هذا التقدم قليلاً جداً.
ومن الناحية الأخرى نجد أن أهم الفاعلين على الأرض وأكثرهم قدرة على الفتك من بين الثوار الآن هو تنظيم دولة الإسلام في بلاد العراق والشام، وهي المجموعة الرئيسية التابعة للقاعدة. أما منافسها الأساسي فهو الجبهة الإسلامية، وليس جيش السيد إدريس؛ الجيش السوري الحر.
وأثناء ذلك، كان إدريس منهمكاً في مهمة لتقليل الأضرار الناجمة عن ذلك ومحاولة استعادة الأجهزة التي تم الاستيلاء عليها والتخفيف من الانقسامات بين الثوار. وخلال ذلك، كان حلفاؤه في الداخل من المعارضة السورية يتجادلون حول ضرورة اتصال الجبهة الإسلامية، وهي التي تعتبر واحدة من أكبر القوى الفاعلة على الأرض، مع القوى الخارجية، وحتى أن عليها حجز مقعد على طاولة المفاوضات في مؤتمر جنيف.
ويوجد في صفوف الجبهة الإسلامية بعض المجموعات المعتدلة نسبياً، التي تستطيع الحكومات الغربية التعامل معها، والتي كانت سعيدة حتى وقت قريب بالعمل تحت قيادة إدريس. وقد حاول دبلوماسيون أمريكيون حث هذه المجموعات على دعم مؤتمر السلام، أو على الأقل عدم معارضة علانية. ولم تكن لدى الأمريكيين مشكلة في جعلهم جزءاً من وفد المعارضة في محادثات السلام. وهناك مجموعات أخرى لا تسمح الولايات المتحدة بوجودها في المؤتمر، مثل الكتيبة الكبيرة المعروفة باسم أحرار الشام، التي تعتبرها قريبة جداً على نحو غير مريح من الجهاديين في القاعدة.
ومن الناحية النظرية، إشراك مجموعات من القوى المقاتلة يمكن أن يكون سياسة حكيمة. لكن ليس مفهوماً لماذا على الثوار الاهتمام بالاشتراك في عملية دبلوماسية ليس لها فرصة تذكر للنجاح، أو حتى الاعتماد على ضمهم إلى عملية دبلوماسية لإعطائهم أهم ما يريدونه، وهو المال والأسلحة.
وأكثر من ذلك، نجد أن حركات الثوار عائمة، وأن الولاءات تنتقل بسرعة، وأن المجموعات التي تقاتل بعضها اليوم تصبح متعاونة في اليوم التالي، والكتائب التي تبدو متعاونة مع بعضها يمكن أن تصبح بعد فترة أقل تعاوناً.
ولا بد أن الأسد يشعر (للأسف) بالرضا وهو يشاهد الفوضى التي تعم شمال سورية من قاعدته في دمشق. واليوم يستطيع أن يدعى صدقية الادعاء القائل إن الثوار المنفلتين لن يقدموا بديلاً لحكمه، مهما استخدم من طرق وحشية في القتل الذي ساهم في زيادة التطرف وتشرذم المعارضة.
لم تتُح الفرصة أبداً للائتلاف الوطني السوري الذي سعى ليكون وجهاً للحركة الثورية، ليلعب دور البديل لحكمه كما كان مقرراً له، أو يكون ممثلاً للشعب السوري. ومنذ البداية اعتمد بقاؤه وصلته بالثورة على قدرته على تقديم المساعدة الغربية التي وعد بها السوريين.
وبعد أشهر كثيرة من الإنكار والنفي، أصبح من الواضح للائتلاف أن الغرب لن يستطيع تقديم شيء جوهري على الجبهة العسكرية، ولا يكاد يتمتع بأي تناسق على الجبهة الدبلوماسية. أما الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون، فهم تماماً مثل الائتلاف الذي يدعمونه، ليس لهم نفوذ يذكر على ما يحدث في سورية.
فاينانشال تايمز

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.