مصر وأزمتها … إلى أين؟
وضع تقرير فريق الأزمات العربي التابع لمركز دراسات الشرق الاوسط في عمان أربعة سيناريوهات محتملة لتداعيات الأزمة المصرية في حال استمرارها أو تفاقمها، وهي: التسوية السياسية وفرصها تبدو جيدة، وسيناريو فشل الانقلاب على المسار الديمقراطي الدستوري، وفرص تحققه في المدى المنظور تبدو ضعيفة، وسيناريو نجاح السلطة القائمة في فرض قواعد لعبة سياسية جديدة، واحتمال تحققه ضئيل، وسيناريو انزلاق مصر إلى العنف وفرص تحققه ضعيفة في سياق المشهد المصري الحالي.
وقدم الفريق في تقرير له تصوراً أوليّاً بشأن التداعيات وخيارات الأطراف والسيناريوهات المحتملة، كما رسم ملامح للمعالجة الممكنة عبر مبادرات وجهود مصالحة وتفاوض في حال كانت الأطراف جاهزة والوسيط مقبولاً، ليتم الاتفاق على أسس التفاوض وقواعده وآلياته للخروج من الأزمة الراهنة، لأن تفاقمها يعني كارثة لمصر بكل مكوناتها، وتداعيات سلبية على مجمل المنطقة العربية واتجاهات التحول الديمقراطي فيها.
ولاحظ الفريق عدم وجود رؤية واضحة لدى أي طرف لإنهاء الأزمة، برغم أن الطرفين مأزومان سواء بمنهج تكوين المؤسسات وفق المسار الرسمي الحالي أو بمنهج الحراك الشعبي بحالته الراهنة.
وقال التقرير: ثمة قصور متبادل يلغي الميزات ويضعف القدرة على الخروج من الأزمة لدى الطرفين، وفي ظل غياب أفق للتفاوض أو طرح مبادرات سوف تتفاقم الأزمة السياسية وتتراجع نظريات ومفاهيم العيش المشترك، ناهيك عن تزايد تدهور الاقتصاد والأمن.
خيارات الخروج من الازمة
ووضع التقرير خيارات الأطراف للخروج من الأزمة واحتمالات نجاحها، ورأى أن خيارات الحكم القائم هي: الرهان على فرض الأمر الواقع وتطبيق إجراءات “خريطة طريق المستقبل”، واحتمالات تمسك النظام بهذا الخيار قوية، وخيار القيام بإجراءات تخفيفيه تحسن صورة الحكم، مثل وقف الإجراءات الأمنية، وإطلاق حريات التعبير والتظاهر، وإعادة الإعلام الممنوع، وخيار القبول بحل سياسي وسط، يقوم على التوافق والمشاركة الجماعية على قواعد وأسس تحقق المصالح الوطنية وأهداف الثورة، والدخول المشترك في مرحلة انتقالية يشارك فيها الجميع.
أما خيارات التحالف الوطني لدعم الشرعية، فهي الصمود والتحمل والاستمرار بنهج الرفض السلمي للوضع الجديد، والإصرار على كشف أبعاد ومخاطر “الانقلاب على الشرعية” وتعتبر احتمالات استمرار الأخذ بهذا الخيار قوية، وخيار القبول بحل سياسي وسط يحقق أغلب شروط ومطالب الطرفين، وتُعد فرص قبول هذا الخيار لدى التحالف قوية إذا توفّرت ضمانات بعودة المسار الديمقراطي الدستوري، وطرحت الحلول من قبل أطراف مقبولة، وخيار القبول بالأمر الواقع، وتعتبر فرص قبول هذا الخيار ضعيفة في الوقت الراهن.
واقترح التقرير استراتجية “الخروج من الأزمة”، تتضمن مرحلتين أساسيتين قبل التوصل إلى الحل النهائي، أولهما: إعلان برنامج عملي للطرفين يشكل “إعلان حسن نوايا وبناء ثقة”. وثانيهما: الاتفاق على المبادئ العامة للحل ورسم المستقبل. كما يقترح التقرير آليات تطبيق استراتيجية الخروج من الأزمة، ويقدم التوصيات اللازمة للخروج من الأزمة إلى مختلف الأطراف المعنية بها.
وتطرق التقرير الى الخلفيات والتداعيات وردود الفعل منذ ثورة تموز 1952 حيث أصر النظام العسكري على التفرد بالسلطة وأخذ الدور الأكبر فيها، وهو ما أدى إلى تعمق النظام السلطوي الفردي ذي الطابع الأمني- العسكري في مؤسسات الدولة المصرية على امتداد العقود الستة الماضية، ومع الوقت تم إضفاء الغطاء التشريعي الدستوري على هذا النوع من نظام الحكم. وقال إن جماعة الإخوان المسلمين قد ساهمت في ثورة يوليو 1952، غير أن حالة من العداء تأسست مع الجماعة منذ العام 1954 لأسباب سياسية ولاعتبارات التباين في منظور الحكم بين المدني والعسكري وفيما يتعلق بتطبيق الشريعة الإسلامية، وفي ولاية الرئيس حسني مبارك الذي حكم مصر ثلاثين عاماً (1981-2011) تطورت حالة من الإحباط والتدهور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي أقصت قوى الإسلام السياسي والقوى المدنية وهمشت الحريات والديمقراطية، مما أدى إلى ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011 التي أنتجت بدورها تحالفاً ثورياً عريضاً ضمّ جماعة الإخوان المسلمون الذين بدوا جاهزين للعب دور رئيسي في مصر ما بعد الثورة.
وتابع، دخلت مصر في أعقاب ثورة يناير2011 في مرحلة انتقالية أشرف عليها المجلس الأعلى للقوات المسلحة، تميزت بالاضطراب على المستوى الأمني والاقتصادي والسياسي، حيث شهدت بوادر انقسام سياسي بين شركاء الثورة إلى مربعين أساسين أولهما ضم معظم حركات الإسلام السياسي، وثانيهما ضم القوى العلمانية واليسارية والليبرالية. كما شهدت هذه المرحلة أربعة استحقاقات انتخابية أفضت إلى تصدّر حركات الإسلام السياسي للمشهد ونجاح مرشح جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي في انتخابات الرئاسة في حزيران/ يونيو 2012.
ولاية مرسي وأجواء الاستقطاب السياسي
وفي استعراضه لولاية مرسي قال انها شهدت أجواء استقطاب سياسي حاد شكلت مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش والشرطة والقضاء والإعلام طرفاً أساسياً فيه، من خلال تحالفها مع مربع القوى القومية واليسارية والليبرالية، وهي قوى سعت إلى تحصيل مكاسب خارج إطار ما تمثله من وزن في صندوق الانتخاب، كما اعتمدت الحراك في الشارع وسيلة لتسوية خلافاتها مع مؤسسة الرئاسة وخصومها السياسيين. وفي المقابل بدا لافتاً أن إدارة الرئيس مرسي لم تعبأ كثيراً بالانتقادات الموجهة إليها، فضلاً عن عدم قدرتها، ولأسباب مختلفة، على تفعيل أجهزة الدولة لتحسين الأوضاع الأمنية والاقتصادية للمواطنين الذين كانت تطلعاتهم في أعلى مستوياتها بعد ثورة يناير 2011.
وقال في ظل هذه الأجواء شهدت مصر في 30 حزيران/ يونيو 2013 تظاهرات، تفاوتت التقديرات بشأن حجمها، كان مطلبها الأساسي إجراء انتخابات رئاسية مبكرة تجاوب الرئيس معها بإعلان “خريطة طريق” لم تلق قبولاً لدى القوى التي تقف خلف هذه المظاهرات، وفي 3 يوليو/ تموز 2013 أعلنت قيادة القوات المسلحة بعد اجتماع مع بعض القيادات السياسية والرموز الدينية، “خريطة طريق المستقبل” تضمنت تعطيل الدستور المُستفتى عليه من الشعب المصري، وتعيين رئيس مؤقت للجمهورية بما يفيد عزل الرئيس الدستوري المنتخب. وكان من أبرز تداعيات هذه الإجراءات إلغاء جميع نتائج الانتخابات السابقة، وحلّ مجلس الشورى صاحب السلطة التشريعية الوحيدة، وهو ما عنى بدء مرحلة انتقالية جديدة، وبما عرّفه كثيرون بأنه (انقلاب) على الدستور والديمقراطية.
لكن قطاعاً من المصريين رحّب بتدخل الجيش لعزل الرئيس مرسي، وعلى رأسه تحالف القوى القومية واليسارية واليبرالية، الذي اشتركت رموزه إلى جانب المؤسسة العسكرية في ترتيب أوضاع البلاد وتشكيل حكومة جديدة، بينما رفض معظم تيار الإسلام السياسي، إضافة إلى قوى سياسية واجتماعية أخرى، هذه الخطوة وعدّها “انقلاباً عسكرياً”، حيث تأسس ما يعرف بـ”التحالف الوطني لدعم الشرعية” الذي نظم تظاهرات واعتصامات تركزت في ميداني رابعة العدوية والنهضة في القاهرة لاعادة الشرعية والدستورية والمسار الديمقراطي على حد تعبيره.
الاسلام السياسي
ووفق التقرير ففي سياق تداعيات الأزمة المصرية ومستقبلها على التحولات التي تشهدها المنطقة العربية منذ العام 2011، فقد شكلت الأزمة نقطة تحول استرتيجية في تقدم تيار الإسلام السياسي على صعيد الحكم والقيادة في دول “الربيع العربي”، كما مثلت مرحلة مهمة من مراحل تعامل الرسمية العربية مع التيار الإسلامي بشكل عام، ووفّرت بيئة معادية في التعامل مع هذا التيار، كما تراجعت عدد من التيارات السياسية الليبرالية منها والقومية واليسارية عن مواقفها المبدئية في تبني الديمقراطية والتعددية والشراكة في ضوء الأزمة.
ونظراً لما تشكله مصر من نقطة محورية في نجاحات “الربيع العربي” وعملية التحول الديمقراطي، ونظراً لما يمثله حضور جماعة الإخوان في مصر من وزن بالنسبة لتيار الإسلام السياسي في المنطقة، فإن مسار الأزمة في مصر سوف ينعكس على واقع الحركة الإسلامية وواقع الربيع العربي في المنطقة بدرجة ما، كما أن القضية الفلسطينية قد يصيبها تراجع استراتيجي بفقدان المحضن المصري الشعبي القوي، وهو ما يعني أن التعامل مع الأزمة في مصر هو مدخل مهم للتعامل مع القضايا الأخرى المتعلقة بمستقبل حركات الإسلام السياسي في المنطقة، ومستقبل الربيع العربي، ومستقبل القضية الفلسطينية.
طبيعة الأزمة المصرية
واكد الفريق ان الأزمة الحالية في مصر انتجت حالة اصطفاف سياسي واجتماعي وضعت النظام السابق والجيش والأمن والقضاء والإعلام وغالبية التيار العلماني واليساري في مربع واحد بمواجهة التيار الإسلامي السياسي الذي يضم معظم الأحزاب والحركات الاسلامية إلى جانب بعض الأحزاب الوسطية والليبرالية الأقرب الى الوسط وبعض الرموز النخبوية ضمن “التحالف الوطني لدعم الشرعية”، وفضلت بعض الأحزاب المدنية والليبرالية المستقلة البقاء خارج المربعين وبدأت عملية استقطاب ومواجهة تخللها الكثير من العنف كانت اليد الطولى فيها للمربع الأمني العسكري.
وقال: الوضع الأمني والاقتصادي والاجتماعي في حال لا يُحسد عليه قبل الأزمة، إلا أنه ازداد تدهوراً وسوءاً بعد الأزمة، وقد ساهمت المواجهة العنيفة سواء للاحتجاجات الشعبية أو لخلايا ما يسمى بـ “الإرهاب” في سيناء، والحملات الإعلامية الممنهجة على “التحالف الوطني لدعم الشرعية” إلى إحداث شلل في السياحة والاستثمار وإحداث شروخ مجتمعية وتدهور أمني، وأصبح المشهد المصري يتميز بالتراجع الأمني والتراجع الاقتصادي والانسداد السياسي والاستقطاب الحاد وتمترس كل طرف في خندقه، وذلك بإصرار الدولة على الاستمرار في تنفيذ “خريطة طريق المستقبل”، وفي المقابل استمرار “التحالف الوطني لدعم الشرعية” في توجيه الجماهير بشكل يومي للتعبير عن رفضهم للسلطة الجديدة، والتظاهر في مختلف أنحاء البلاد ضد ما يسميه بحكم العسكر والانقلاب على الدستور.
واستخلص التالي: هناك غياب رؤية واضحة لانتهاء الأزمة يتصدر المشهد، برغم أن الطرفين مأزومان سواء بمنهج تكوين المؤسسات وفق المسار الرسمي الحالي أو بمنهج الحراك الشعبي بحالته الراهنة، فثمة قصور متبادل يلغي الميزات ويضعف القدرة على الخروج من الأزمة لدى الطرفين، وفي ظل غياب أفق للتفاوض أو طرح مبادرات سوف تتفاقم الأزمة السياسية وتتراجع نظريات ومفاهيم العيش المشترك، ناهيك عن تزايد تدهور الاقتصاد والأمن.

