صحيفة الكترونية اردنية شاملة

‘أللهمّ أحرِقْ بيوتَهم، وخرِّبْ ديارَهم…’

0

لن تكون تركيا بعد هذه الكلمات، الواردة في العنوان أعلاه، هي إيّاها قبلها. إنها كلمات فتح الله غولن.

لكي يستطيع القارئ أو المراقب أن يقترب من معنى بل هول هذه الكلمات حين تصدر عن شخص بأهمية ونوعية فتح الله غولن في تركيا الراهنة عليه أولاً تصوّرُ هذا العنف اللفظي، على سبيل الافتراض، لو صدر فجأة عن شخصٍ مثل البابا في روما أو شيخ الأزهر في القاهرة أو المرجع الشيعي الأعلى في النجف. فماذا سيعني ذلك عندها سوى أن تفاعلا خطِراً وغير عادي يحدث في الفاتيكان أو مصر أو العراق!
قد تحمل هذه المقارنة الافتراضية قدرا من المبالغة لهذا أميل أكثر في حالة مفاجأة غولن اللفظيّة العنيفة هذه إلى تشبيهها بفرضية أن يصدر كلامٌ من هذا النوع عن الراهب الرئيس للمنظمة اليسوعية في العالم الملقّب منذ قرون بـ”البابا الأسود”. فمنظمّة غولن تشبه في نشاطها العلني وامتدادها العالمي العمل اليسوعي التربوي لأن “حركة حزْمتْ” (حزْمتْ أي “الخدمة” في التركية) منظمة تقوم فلسفتها المعلنة على الإسلام التربوي أي إنشاء المدارس (خمسماية مدرسة من تركيا إلى آسيا الوسطى إلى أوروبا وأميركا). ومثل اليسوعيين بين الكاثوليك، مع فارق طبعا الأقدمية العريقة لليسوعيين، تهتم “حزمت” بتخريج نخب متعلّمة وكفؤة من مسلمين متديِّنين متمرّسين بالعلوم الحديثة. لا بل إن انفجار المشكلة بين هذه المنظمة و”حزب العدالة والتنمية” جاء في طوره الأخير بسبب قرار حكومة رجب طيِّب أردوغان إلغاء ما يُسمّى “المدارس التحضيريّة” التي تهيِّئ للدخول إلى الجامعات التركية.
فتح الله غولن كممثّل لإسلامٍ معتدلٍ و”غربي” لا يُعلِن مواقف سياسيّة إلا في مناسبات نادرة ويعتبرها تتعلّق بقضايا كبيرة طارئة ولكن حتما لم يسبق له أن أصدر بيانا من النوع الذي أصدره في “الويك إند” المنصرم وتضمّن التالي حرفيا: “أللهم خرِّبْ بيوتَهم، وأحرِقْ ديارَهم، وفرِّقْ جمعَهم”. كان بيانا وصَفَتْهُ الصحيفة الكبرى المؤيِّدة له “زمان” بأنه “خطبة عاطفية” هي “الأولى من نوعها” تصدر عنه. كانت الخطبة تعليقا على فصل ضباط الشرطة الذي قامت به حكومة أردوغان عبر شريط “يوتيوب” أذيع على موقعه الإلكتروني وبثّهُ من مكان إقامته في بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأميركية… حيث لجأ هارباً – يا للمفارقة- من ضغط المخابرات العسكرية التركية عليه في أواخر التسعينات من القرن المنصرم بعدما اشتبهت بالأنشطة السرية لمنظّمته داخل الدولة التركية. ثم ليتحالف غولن مع الحزب الجديد الناشئ بعدها “حزب العدالة والتنمية” ولينجح خلال سنوات مع هذا الحزب في إنهاء وصاية الجيش على الحياة السياسية التركية.
“إبداع” التاريخ لأشكال جديدة من الصراع السياسي لا يقف عند حد. ها إن تركيا تُشاهد غيرَ المتوقَّع:
انفجار “النظام الإسلامي” الذي سيطر على السلطة السياسية في السنوات العشر الأخيرة من داخله. إذن كان اشتباه العسكر التركي في مكانه عندما شكّ بأنشطة منظمة غولن داخل الدولة ولاسيما البوليس والقضاء.
كان رجب طيّب أردوغان يعرف ذلك طبعا. ويعرف أكثر. فالتحقيقات في قضية “إرغنيكون” أودت بضباط كبار في الجيش إلى السجن وبينهم اليوم خلف القضبان من كان لا يمكن تصوُّرُه هناك في “الجمهورية الأولى” لأن من يحتل منصبه يعتبر “إلها” في السياسة التركية أي رئيس أركان الجيش. آخر رئيس أركان سابق هو اليوم في السجن… يعرف إذن رجب طيِّب أردوغان أن القاضي الذي أدار قضية “إرغنيكون” هو نفسه الذي أعطى أوامر مداهمة واعتقال حوالى ثمانين شخصا من بيئة محسوبة على حكومة “حزب العدالة والتنمية”. وهذا واحد من أكبر عناصر مصداقية الحملة الأخيرة لأن هذا القاضي لُقِّب سابقا “دي بييترو تركيا” نسبة إلى المدعي العام الإيطالي الشهير الذي حرّك الملفات ضد “المافيا” في التسعينات من القرن الماضي مما أدّى إلى تغيير النظام السابق الذي سيطر عليه “المسيحيون الديموقراطيّون” و”الحزب الإشتراكي” منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ها هو “النظام الإسلامي العميق” بعد أن همّش “الدولة العميقة” العسكرية السابقة ينقسم على نفسه وينقضُّ أحد جناحيه على الآخر بتهم قضايا فساد أصابت أبناء ثلاثة وزراء وأبقت اثنين منهم في السجن.
هذا جديد وهذا بإمكانه أن يكون بداية تغيير مهم في النظام السياسي للدولة العلمانية التركية لأنه يعني وسيعني المزيد من تحضير مرحلة ما بعد “حزب العدالة والتنمية”.
ها هي تركيا مع هذا الصراع تكشُفُ مرّةً أخرى عن طاقتها الهائلة على الاستمرار في خلق بنى صراعية ناتجة عن معادلة التفاعل البنّاء بين الإسلام، إسلامها، والحداثة. أكاد أقول إنها حلقة في مسلسل بدأ بقضاء السلطان العثماني من قصره في “دولما باهشة” في أواخر الثلث الأول من القرن التاسع عشر على “الجيش الانكشاري” الذي تحوّل إلى “دولة داخل الدولة” وضدها ثم امتد إلى التنظيمات والإصلاحات أيضا في مرحلتين لاحقتين من القرن التاسع عشر ثم إلى الانقلاب الدستوري عام 1908 ثم إلى تأسيس الجمهورية عام 1923 ثم إلى تهميش وصاية الجيش على الحياة السياسية في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين… إن تركيا بل اسطنبول تعيش مع عملية الاعتقالات الأخيرة “لحظة عثمانية” من مسلسل التحولات الكبيرة في اتجاه تكريس حداثتها أكثر بعد ما يبدو أنه شيخوخة “حزب العدالة والتنمية” الذي قاد مرحلة طليعية سياسية واقتصادية هي الآن في طور النهاية، خصوصا مع تآكل مشروع السياسة الخارجية المنفتحة عربيا، تآكل هذا المشروع بل إفلاسه على الشواطئ السورية أساساً والمصرية والعراقية تالياً… باتجاه تسليم جيل جديد مقاليد تركيا. أما فرضيّة “المؤامرة” وبمساهمة أميركية كما يلمِّح رجب طيِّب أردوغان فهي فرضيّة محتملة لأنها قامت في جو شيخوخة سياسات حزب أردوغان الداخلية والخارجية.
“أولئك الذين يتركون اللصوص ليلاحقوا الذين يطاردون اللصوص” قال فتح الله غولن عن رجب طيِّب أردوغان وحكومته… ويكفي أن تكون المعركة في هذه “الدائرة” الأخلاقية لكي نعرف صعوبة موقع أردوغان في هذه الساعات لأنه هو الذي بنى جزءاً مُهمّاً من صعوده على “مكافحة الفساد”…
سنعرف في الانتخابات البلدية المقبلة كم تأثّرت قاعدة أردوغان بالفضائح الجديدة وسنعرف أكثر مدى التأثير الشعبي لِـ”حركة غولن” لأنها بالنتيجة حركة إعداد نخب لا جماهير ولهذا شبّهناها باليسوعيين… وفتح الله غولن بـ”البابا الأسود” المسلم.
المشكلة في حالة شخص عنيد مثل رجب طيِّب أردوغان أنه غير مهيّأ ليلتقط “الرسالة” مما يحدث… والتي ربما أصبحت دعوة للتخلّي عن السلطة.
تركيا في الأيام الأخيرة لم تعد تركيا الكتلتين الكبيرتين المتصارعتين وهما العلمانيّون والإسلاميّون بل أصبحت حتى إشعار آخر ثلاث كتل متصارعة واحدة علمانية واثنتان إسلاميّتان.

النهار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.