تتمتع شركات الإنترنت والشبكات الاجتماعية في وادي السليكون بواحد من نماذج الأعمال الأكثر جاذبية في العالم. أنموذج يقدم خدمة مجانية، ويجمع البيانات الشخصية ويستخدمها لجذب المعلنين، ويتوسع في جميع أنحاء الولايات المتحدة وحول العالم بسلاسة لملايين المستخدمين.
لكن للأسف، لاحظ أهل الاستخبارات ذلك.
المناشدة التي تقدمت بها الأسبوع الماضي ثماني شركات، من ضمنها جوجل ومايكروسوف، إلى الحكومة الأمريكية في أعقاب تسريبات في صحيفتي “الجارديان” و”واشنطن بوست” بشأن ممارسات رقابية من جانب وكالة الأمن القومي، تعد مزيجا أنموذجيا من الطموح النبيل، والمصلحة الذاتية، والسذاجة. وفي النهاية، لا فائدة منه. فإذا كان لديك مرطبان مربى، فعليك أن تتوقع الدبابير.
وبحسب شكوى مارك زوكربيرج، الرئيس التنفيذي لـ “فيسبوك”، فإن طمأنة الرئيس باراك أوباما الحذرة التي تحدث فيها عن عدم وجود مراقبة شاملة للأمريكيين تعد “أمرا سيئا حقاً” لشركاته العالمية. فما هو احتمال أن يحصل الأجانب على الحماية (المحدودة) نفسها من مراقبة وكالة الأمن القومي، مثلهم مثل مواطني الولايات المتحدة؟ ضئيلة للغاية.
فمن ناحيتها، لن تتوقف وكالات الاستخبارات عن التجسس على الأجانب ولن تتفاوض حول الدخول في قواعد انخراط شفافة عن كيفية عملها، من أجل الحد من الأضرار الجانبية على شركات القطاع الخاص. فأهل الاستخبارات يُدفع لهم من أجل أن يدسوا أنوفهم.
وعلى وادي السليكون مساعدة نفسه، فهو لم يفعل شيئاً يذكر لإيقاف فقدان الثقة بالطريقة التي يعمل بها حول العالم. فالخطابات المفتوحة من الشركات تضع مسؤولية الإصلاح على الحكومات التي ليس من المرجح أن تساعد، بينما تطلق القصور الذاتي في الشركات.
لقد صُدمت الشركات من التسريبات التي ذكرت أن وكالة الأمن القومي ونظيرتها البريطانية، مقر الاتصالات الحكومية GCHQ، قامتا بالتنصت على كيبلات الألياف البصرية التي تربط ياهو وشبكة خادمات جوجل العالمية وشفطت كميات كبيرة من البيانات من أجل البحث عن نشاطات مشبوهة. وهي الآن تتدافع (بحرفية) لتشفير البيانات التي اعتقدت بسذاجة أنها كانت آمنة.
وهذا التهاون لا يزال مستمراً، ويجادل إريك شميدت، رئيس مجلس إدارة جوجل، بأن مراقبة الإنترنت يمكن إيقافها “في عقد من الزمن” من خلال التقدم في عمليات التشفير. وقال في الفترة الأخيرة: “أولاً يحاولون منعك. وثانياً، يحاولون التسلل إليك. وثالثاً، أنت تفوز. اعتقد حقاً أن هذه هي طريقة العمل لأن السلطة تحولت”.
وهذا يذكرني بتنبؤ بيل جيتس في عام 2004 بأن مشكلة البريد الإلكتروني المزعج ستكون قد “انتهت” بحلول عام 2006. وبغض النظر عن سرعة اعتماد الشركات لـ “التشفير المثالي المتقدم”، أو مضاعفة طول مفاتيح التشفير، فإن وكالة الأمن القومي وحلفائها (ومنافسيها) سيستمرون في فك الرموز.
ويضع وادي السليكون ثقته دائماً بالحل التكنولوجي للمشكلة، مهما كان غير قابل للتصديق، بدلاً من حل هيكلي يمكن أن يؤثر في أعماله. فالموقعون على الرسالة يتمتعون باقتصادات كبيرة الحجم بسبب قدرتهم على الجمع، والتحليل، وتوزيع المعلومات والبيانات بسلاسة، ولا يريدون فقدان المرونة.
وأصولهم الأكثر قيمة – تجمعات كبيرة من البيانات عن مئات الملايين من الناس – تجذب هي أيضاً أهل الاستخبارات والوكالات الرسمية. ويقول جانيك سلوتجي، وهو مستشار قانوني في “بيتس أوف فريدوم”، وهي مجموعة هولندية للحقوق الرقمية: “إنهم يخزنون البيانات ويريدون حرية استخدامها لجني الأرباح، لكنهم أيضاً يريدون من الحكومات ألا تلمسها”.
هذا التناقض الظاهري يعطي الرسالة مظهراً ساذجاً. فالطلب بأن الحكومات “ينبغي ألا تتولى التجميع الكبير للبيانات من اتصالات الإنترنت” يبدو غريباً حين يأتي من مجموعة هي نفسها تفعل ذلك. وفي هذا السياق، فإن الفكرة القائلة “عندما تتضارب إحدى مناطق الاختصاص القضائي مع قوانين منطقة أخرى، يتعين على الحكومات أن تعمل معاً” هي أضغاث أحلام.
لكن المبادرة لديها مزايا. فقد دفعت جوجل الحكومة الأمريكية للسماح لها بالكشف عن عدد الطلبات التي تتقدم بها الحكومة للحصول على البيانات الاستخبارية عن الأفراد. وكون شركات الإنترنت الكبرى (باستثناء أمازون) متحدة في السعي للإصلاح أمر مفضَّل على ثقافة التواطؤ السرية.
لكنهم لا يطالبون بشيء من شأنه أن يكون غير مريح أو صعباً عليهم. بل على العكس، فتحْتَ عنوان “احترام التدفق الحر للمعلومات”، هم يُدخِلون سراً طلباً بأن الحكومات يجب ألا تجبر الشركات على “تحديد البنية التحتية داخل حدود البلاد أو التي تعمل محلياً”.
ويتطلب الأمر جرأة وصفاقة لمعارضة مثل هذه الفكرة على أساس حرية التعبير، في حين من المفهوم تماما أنها تعد ردا أجنبيا على تكتيكات وكالة الأمن القومي ومقر الاتصالات الحكومية البريطانية. وتعمل البرازيل الآن على قانون من شأنه إجبار الشركات على إبقاء بيانات مواطنيها داخل البلاد، بينما تقع اتفاقية “الملاذ الآمن” بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، التي تسمح بنقل البيانات عبر الحدود، تحت الضغط.
والمبادرات التي من هذا القبيل بالكاد تكون مفاجئة، بالنظر إلى أن وكالات الاستخبارات لديها بشكل واضح التكنولوجيا اللازمة لسرقة البيانات أثناء العبور. ألمانيا، مثلا، ملزمة بموجب دستورها لعام 1949 (الذي تمت صياغته في ظل الجستابو) بحماية “خصوصية المراسلات، والبريد، والاتصالات”. وعندما اكتشفت أن وكالة الأمن القومي كانت تراقب الهاتف الخليوي للمستشارة أنجيلا ميركل، أصبحت الآن راغبة في تطبيق هذه الحماية.
وتجد الشركات كل ذلك أمراً عسير الهضم، لأنه يحدث الاضطراب في الطريقة التي تحتفظ بها بالبيانات وتقوم بتحليلها، ويمكن أن يفرض عليها تكاليف مشابهة للتكاليف التي تواجهها الشركات الأخرى المحلية والعالمية، مثل المصارف. كذلك ربما لا تعمل الإجراءات كما هو مقرر. فلا بد للشركات الأمريكية (وكل من يعمل هناك) من إطاعة المطالب القانونية الرامية للحصول على معلومات استخباراتية، بصرف النظر عن مكان وجود المعلومات.
لكنها بحاجة سريعة إلى أن تعيد تأكيد صدقيتها باعتبارها حارسة المعلومات السرية، بدلاً من كونها وسائط لتمرير المعلومات إلى وكالة الأمن القومي. وإخفاقها في هذه المهمة سيسبب قدراً أكبر بكثير من الدمار على المدى الطويل من تعديل أنموذجها التشغيلي. التفكير في مستقبل التكنولوجيا بمعزل عن الواقع لن يفيد هذه المرة.

