النظرة الوردية لعام 2014 بحاجة إلى مراجعة
مثل الزينات التي تظهر منذ القدم احتفالا بعيد الميلاد، يتدافع المجتمع الاستثماري لنشر توقعاته للعام الجديد، في وقت بقي فيه أقل من أسبوعين على عام 2013، وهي توقعات تتسم بأنها إيجابية. وكونها تأتي من منظمات تبيع الاستثمارات، فليس في ذلك ما يثير الاستغراب.
مع ذلك هذا الإجماع اللطيف أقوى من المعتاد. ومع بعض استثناءات قليلة، إليكم الحالة الأساسية التي يقول المجتمع الاستثماري إنه يتوقعها لعام 2014: سيسجل الاقتصاد العالمي أفضل سنة له منذ الأزمة، في الوقت الذي تتراجع فيه أخيراً ظروف المسببة لها. وسيبدأ التطبيع في فترة ما بعد الأزمة بمنتهى الجد، مع بداية رفع أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية، وارتفاع النفقات الرأسمالية من قبل الشركات.
ويعني التطبيع أن العوائد على الاستثمارات لن تكون في مستوى العام الحالي؛ لأن الأسهم الأمريكية أخذت تحتسب منذ الآن وجود الانتعاش. لكن العملية ستسير بسلاسة، وسيقوم الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية الأخرى بزيادة الضغط بصورة حثيثة، وسترتفع أسعار الفائدة استجابة لذلك.
ستسجل الصين نمواً أبطأ قليلاً من معدلها المعهود، بخطوات أكثر استدامة. وسيكون النمو في أوروبا ضعيفاً، لكنه على الأقل سيكون نمواً.
هذه الحالة الأساسية ليست سيئة، وهي أرجح من كثير من السيناريوهات الأخرى. والذين احترسوا من المخاطر الكثيرة لهذا العام سيكونون قد فوتوا حفلة الأسهم الأمريكية.
لكني أقترح ضرورة أن نطرح السؤال التالي: ما الذي يمكن أن يصاب بالاختلال في هذه الصورة؟ باستثناء الكوارث الطبيعية، إليكم بعض الأجوبة.
أولا، الانكماش في أوروبا: يطالب إجماع المحللين بنمو في حدود 1 في المائة في اقتصاد منطقة اليورو في السنة المقبلة، مع تضخم حميد. ولن نحتاج إلى تطورات كثيرة لتفويت هذين الهدفين. سنة أخرى من الجمود الاقتصادي ستمتحن صبر الناخبين، في حين أن الانكماش سيجعل من الصعب كثيراً على البلدان الطرفية في منطقة اليورو أن تسدد ما عليها من ديون، على اعتبار أن تكاليف الديون ستصبح أكبر من ذي قبل.
وهناك أيضا أسباب قوية تدعو للتفاؤل. فالمضاربون من المستثمرين الأجانب غائبون إلى حد كبير، ويتمتع البنك المركزي الأوروبي بالصدقية. وسيضعهم الانكماش موضع اختبار.
ثانيا، معركة آبي الكبرى: من استثمر في اليابان سجل نتائج جيدة هذا العام، لكن ما الذي سيحدث لو أن برنامج آبي الاقتصادي، أي السياسة النقدية النشطة المصممة لإعادة التضخم، لم يعمل كما هو مقرر له؟
أليكس فريدمان، من يو بي إس، الذي استحدث مصطلح Abegeddon يقترح أن المعركة الفاصلة يمكن أن تنتظر إذا نجحت اليابان في إشعال فتيل التضخم، وليس النمو. وفي هذه البيئة، فإن هذا البلد المثقل بديون هائلة يمكن أن يشهد انهيار الثقة بسنداته. وفي حالة وقوع أزمة حقيقية في ثالث أكبر اقتصاد في العالم، فمن شأن هذا أن يثير المتاعب، خصوصاً أن كثيرا من الناس غير مستعدين لذلك.
ثالثا، التقلبات في عدد من الأسواق الناشئة: بعض الأسواق طغى اسمها على السطح لفترة قصيرة هذا العام، وهي البرازيل، والهند، وإندونيسيا، وتركيا، وجنوب إفريقيا، وجميعها أسواق ناشئة كبيرة تعاني عجزا كبيرا في حساباتها الجارية، وعانت عملاتها خسائر حادة حين هدد الاحتياطي الفيدرالي بالانسحاب التدريجي من مساندته للأسواق. وكانت خسائرها تسير جنباً إلى جنب مع ارتفاع العوائد على سندات الخزانة الأمريكية.
وحين أخذت الأمول تُسحَب إلى الولايات المتحدة تعرضت هذه البلدان، التي كانت في أمس الحاجة إلى تلك الأموال، للانكشاف.
وخفت حدة المشكلة قليلاً عندما قرر الاحتياطي الفيدرالي عدم تطبيق الانسحاب التدريجي – لكن الروبية الإندونيسية لامست مستوى متدنياً جديداً هذا العام. ويقول الإجماع اللطيف إن هذا لن يتكرر حين يمضي الاحتياطي الفيدرالي قدماً في الانسحاب التدريجي، لكن أسباب هذا التفاؤل غير واضحة.
رابعا، ذروة ارتفاع النفط: ظل سعر النفط مصدراً للاستقرار لمدة ثلاث سنوات حتى الآن، وكان سعر برنت يتأرجح في نطاق ضيق حول 110 دولارات للبرميل. وتحقق هذا على الرغم من تراجع حاد في الإنتاج في بلدان مثل ليبيا (بسبب الاضطرابات المدنية)، وإيران (بسبب العقوبات) والعراق. ويعود ذلك بصورة كبيرة إلى أن ثورة الغاز الصخري في الولايات المتحدة وضعت ضغطاً نازلاً على الأسعار. ولن يختفي النفط الصخري، لكن في الوقت الحاضر يبدو أن الصادرات الإيرانية في سبيلها إلى العودة، وربما يرتفع الإنتاج من ليبيا والعراق. وهناك احتمال لا تجري مناقشته كثيراً خارج سوق النفط، يتمثل في إمكانية أن يهوي سعر برنت إلى ما دون 90 دولاراً. ومن شأن هذا أن يساعد كثيراً من الشركات ويخفف الضغط عن المستهلكين، لكنه سيؤذي البلدان التي تعتمد على صادرات النفط، مثل روسيا.
خامسا، حادثة في سندات الخزانة: لعل هذا كان أكبر المخاطر التي دخلت عام 2013. فحين بدأ الاحتياطي الفيدرالي يتحدث عن الانسحاب التدريجي، كادت الواقعة أن تحل، إذ ارتفعت العوائد على السندات لأجل عشر سنوات بمقدار الضعف، لتلامس مستوى 3 في المائة، خلال فترة قصيرة. وهي تظل الآن قريبة من هذه المستويات العليا.
والارتفاع اليسير في العوائد في الوقت الذي يتخذ فيه الاقتصاد وضعه الطبيعي سيكون أمراً جيداً، لكن الارتفاع السريع نحو 5 في المائة، مثلما حدث في ردة الفعل العنيفة من السوق على إعلان البنك، يمكن أن يُعرِّض كل شيء آخر للخطر.
سادسا، انفجار الفقاعة في الصين: أخيراً، يستمر ثاني أكبر اقتصاد في العالم في المعاناة من فقاعات الأصول في كثير من الأسواق الرئيسة، ومن عبء كبير في الديون، في الوقت الذي تسعى فيه القيادة الصينية إلى إعادة تنظيم الاقتصاد. وقد مرت بضعة عقود منذ أن كسب أحدٌ المراهنات ضد الصين، لكن المخاطر تظل قائمة.
وهناك موضوع مشترك بين توقعات الإجماع اللطيف، وهذه القائمة من المخاطر، وهو أن العالم يمر في مرحلة توازن حساسة. هذا العام تجنبت السلطات النقدية إحداث اضطراب في هذا التوازن، وهناك احتمال بإمكانية أن تكرر البنوك المركزية الحيلة في 2014.
لكن هذا الاحتمال ليس طاغياً. وسيكون من المنطقي أن نؤَمِّن ضد الخطر المتمثل في أن الأمور لن تتطور على النحو الجيد الذي كانت عليه في 2013.

